ترامب يدرس «إسقاطاً متدرجاً» للنظام في إيران

مسعى تركي لمفاوضات مباشرة بين الرئيس الأميركي وبزشكيان

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 22:32

تشهد الساحة الإقليمية سباقاً محموماً بين مساعي التهدئة والتحضيرات للحرب، في وقت يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصعيد لهجته حيال إيران، مخيّراً إياها بين القبول بالتفاوض وإبرام صفقة، أو مواجهة ضربة عسكرية قاسية، في وقت أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية تدرس سيناريو «إسقاط متدرج» لنظام الجمهورية الإسلامية.

ومع وصول المفاوضات الأولية بين واشنطن وطهران إلى طريق مسدود، وفق ما أفادت به شبكة «سي إن إن» أمس الأول، وهو ما كانت «الجريدة» كشفت عنه في عددها الصادر 23 الجاري، تكثّف الحراك الإقليمي والدولي في محاولة قد تكون الأخيرة قبل إقدام الجيش الأميركي على توجيه ضربة عسكرية لإيران، خصوصاً بعد تحذير ترامب من أن «الوقت ينفد».

وفي أحدث فصول هذا الحراك، دخلت تركيا بقوة على خط الوساطة، باقتراح عقد قمة عبر الفيديو تجمع ترامب بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ورغم أن الفكرة ليست جديدة، فإن طرحها مجدداً في هذا التوقيت الحرج يمنحها وزناً مختلفاً، ويعكس سباقاً مع الزمن لاحتواء مواجهة باتت أقرب من أي وقت مضى.  

وكانت «الجريدة» نشرت في عددها الصادر 9 الجاري معلومات عن مساعٍ لعقد لقاء بين الرجلين في دولة خليجية، مع إبداء واشنطن حينها انفتاحاً مشروطاً بحصول بزشكيان على تفويض كامل من المرشد الأعلى علي خامنئي.

ومع توجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أنقرة لبحث المقترح التركي، وسط محاولات لجمعه مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، أكد مصدر في مكتب بزشكيان،  

لـ «الجريدة»، أن أردوغان أبلغه بالمبادرة خلال اتصال هاتفي، أعقب سلسلة اتصالات ولقاءات أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

ونقلت صحيفة «حرييت» التركية، التي كشفت عن المبادرة، أن واشنطن أبدت موافقة مبدئية عليها، في حين لم تتلقَّ أنقرة رداً من طهران. غير أن مصدراً في مكتب الرئيس الإيراني قال لـ«الجريدة» إن بزشكيان، الذي يتقن اللغة التركية، أبلغ أردوغان أنه، ورغم الحساسية العالية داخل النظام الإيراني تجاه ترامب على خلفية اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020، فإنه مستعد للقائه في حال أبدت واشنطن استعداداً للتراجع عن شروطها المسبقة التعجيزية.

وفي الوقت نفسه، تلقى بزشكيان اتصالاً لم يعلن عنه هو الثالث من نوعه في الأسبوعين الماضيين من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الذي شدد مجدداً على ضرورة تحييد إسرائيل عن أي رد إيراني، لاسيما أن تل أبيب تؤكد أنها غير معنية بأي عملية عسكرية أميركية، غير أن بزشكيان أشار إلى أن طهران لا تعتبر إسرائيل غير معنية، وترى أن أي هجوم أميركي عليها سيكون بتحريض وإيعاز من تل أبيب، وبالتالي فإنها ستكون مشمولة بأي رد إيراني. 

أما على مستوى التحضير للحرب، فقد نقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين أميركيين مُطّلعين أن ترامب يريد تهيئة الظروف من أجل «تغيير النظام» في إيران، على الرغم من قول مسؤولين إسرائيليين وعرب إن الضربات الجوية وحدها لن تطيح الحكم الديني.

وبحسب «رويترز»، يدرس ترامب خياراً لاستهداف القادة والمؤسسات الذين تحملهم واشنطن مسؤولية العنف، لإعطاء المتظاهرين الثقة بقدرتهم على اقتحام المباني الحكومية والأمنية، أو ضربة أكبر بكثير تهدف إلى إحداث ‌تأثير دائم، ربما ضد الصواريخ البالستية، القادرة على استهداف حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو برامج تخصيب اليورانيوم.

ونقلت «رويترز» عن مصادر غربية أنها تعتقد أن هدف ترامب يبدو أنه إحداث تغيير في القيادة لا «الإطاحة بالنظام»، وهو نتيجة مشابهة لما حدث في فنزويلا حيث أدى التدخل الأميركي إلى الإطاحة بالرئيس دون تغيير شامل للحكومة.

في المقابل، زادت إيران من تهديداتها باستهداف الجنود الأميركيين في المنطقة بحال تعرضها لأي هجوم. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في حوار مع شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية، إن الآلاف من الجنود الأميركيين المتمركزين على بعد آلاف الكيلومترات من وطنهم سيعانون، بكل تأكيد.

 وكان وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو هدد إيران أمس الأول بضربة استباقية في حال خططت قيادتها لمهاجمة المنشآت العسكرية الأميركية.

وفي حين قالت طهران إنها ستنفذ يومي الأحد والاثنين المقبلين مناورات بحرية في مضيق هرمز، أعلن الاتحاد الأوروبي تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، في خطوة وصفتها إسرائيل بـ «التاريخية»، بينما وصفتها إيران بـ «خطأ استراتيجي كبير».

وفي تفاصيل الخبر:

غداة استعجاله لسلطات الجمهورية الإسلامية من أجل إبرام اتفاق قبل فوات الأوان، كشفت مصادر متعددة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس خيارات ضد إيران، تشمل شنّ ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لتحفيز المتظاهرين، بهدف إسقاط النظام بشكل متدرّج، إضافة إلى تنفيذ هجوم استباقي واسع لإحباط مخاطر استهداف طهران للقوات الأميركية والحلفاء بالمنطقة.

وقال مصدران أميركيان مُطّلعان على المناقشات لـ «رويترز»، أمس، إن ترامب يسعى إلى تهيئة الظروف لتغيير النظام بعد قمع السلطات للاحتجاجات الواسعة النطاق التي اندلعت أواخر ديسمبر الماضي. 

ولتحقيق تلك الغاية، يدرس البيت الأبيض خيارات دقيقة وجراحية لاستهداف قادة ومؤسسات يعتبرها مسؤولة عن العنف الدموي ضد المتظاهرين، لمنحهم الثقة للعودة إلى الشوارع والسيطرة على هياكل النظام ورموزه.

وأفاد أحد المصادر بأن الخيارات التي يناقشها مساعدو ترامب تشمل ضربةً أوسع نطاقاً ذات أثرٍ طويل الأمد، يُرجّح أن تستهدف الصواريخ البالستية القادرة على الوصول إلى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وذكر مصدر أميركي ثانٍ أن ترامب لم يتخذ بعد قراراً نهائياً بشأن مسار العمل، بما في ذلك اللجوء للضربة العسكرية.

فشل المحادثات 

في موازاة ذلك، ذكرت مصادر لشبكة CNN أن ترامب يدرس شنّ ضربة كبيرة بعد فشل المحادثات الأوّلية بين واشنطن وطهران بشأن الحد من برنامج إيران النووي وإنتاج الصواريخ الباليستية ووقف جميع أشكال الدعم للوكلاء بالمنطقة في إحراز أي تقدّم.

وقالت المصادر إن الخيارات التي يدرسها الآن تشمل غارات جوية تستهدف القادة الإيرانيين والمسؤولين الأمنيين الذين يُعتقد أنهم مسؤولون عن قتل المحتجين، إضافة إلى ضربات على المواقع النووية والمؤسسات الحكومية. 

أنقرة تسعى إلى قمة بين بزشكيان وترامب... وعراقجي يزورها اليوم 

خيارات واسعة

في هذه الأثناء، شدد مسؤول في البيت الأبيض على أن إدارة ترامب تمتلك مجموعة واسعة من الخيارات للتعامل مع الوضع. وأوضح أن ترامب عبّر عن أمله في ألّا تكون هناك حاجة لاتخاذ أي إجراء عسكري، رغم أنه أثبت استعداده لتنفيذ تهديداته السابقة من خلال عمليتين عسكريتين بارزتين حملتا اسمَي «مطرقة منتصف الليل»، و«العزم المطلق».

ووفق المصدر نفسه، فإن عملية مطرقة منتصف الليل كانت هجوماً جوياً نفذته القوات الجوية الأميركية بأمر من ترامب، استهدف منشآت نووية إيرانية مهمة، من بينها نطنز وفوردو ومركز معالجة اليورانيوم في أصفهان.

أما عملية العزم المطلق فهي عملية عسكرية واسعة النطاق نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا، حيث قامت القوات الأميركية، وفق الرواية، بالهجوم على العاصمة كراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأميركية. 

تعقيد واشتباه

وفيما يبدو أنه تمهيد لاحتمال اللجوء إلى عمل عسكري واسع ضد طهران، أشار وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أمام لجنة العلاقات الخارجية بـ «الكونغرس» إلى أن الحكومة الإيرانية ربما تكون «أضعف من أي وقت مضى»، وقال إن اقتصادها «يواجه حالة انهيار»، متوقعاً عودة الاحتجاجات إلى الشوارع، رغم خفوتها حالياً.

وأضاف روبيو: «لا أحد يعلم» مَن سيتولى السلطة إذا تم عزل المرشد علي خامنئي من منصبه، مشيراً إلى أن الأمر سيكون «أكثر تعقيداً بكثير» من الوضع في فنزويلا، وسيتطلب «الكثير من التفكير المتأني». 

ولفت إلى أن الولايات المتحدة «قد تنفّذ هجوماً استباقياً» ضد إيران لحماية القوات الأميركية والمنشآت والحلفاء في المنطقة. وأوضح أنه يأمل «ألا يصل الأمر إلى هذا الحد»، لكنّه جادل بأن إيران قد حشدت قدراتها على تنفيذ مثل هذا الهجوم. 

وقال كبير الدبلوماسيين: «أعتقد أنه من الحكمة والتعقّل وجود قوة عسكرية داخل المنطقة قادرة على الاستجابة، وهذا أمر محتمل، لكنه ليس حتمي الحدوث، ولكن إذا لزم الأمر، سيتم منع الهجوم ضد آلاف الجنود الأميركيين والمنشآت الأخرى في المنطقة وحلفائنا، بشكل استباقي».

إيران تسلّح جيشها بـ 1000 مسيّرة وتهدد بإغراق البوارج... وقاليباف يحذّر آلاف الجنود الأميركيين

تعاون وعقوبات

في هذه الأثناء، كشفت أوساط أميركية، عن حراك فني واستخباري مكوكي يقوده وفد من تل أبيب يزور الولايات المتحدة لإطلاع ترامب على معلومات حساسة تتعلق بالملف الإيراني وأهداف محتملة داخل طهران.

وفي بروكسل، ذكر الاتحاد الأوروبي أنه فرض عقوبات على وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، والمدعي العام، محمد موحدي آزاد، إضافة إلى القاضي ‌إيمان أفشاري، متهما المذكورين بالتورط في القمع العنيف للاحتجاجات والاعتقال التعسفي للناشطين.

رد غير مسبوق

في المقابل، حذّر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ترامب من العواقب التي قد يتعرّض لها الجنود الأميركيون بالمنطقة في حال قررت واشنطن مهاجمة طهران. 

وقال قاليباف: «ربما يمكن لترامب بدء الحرب، لكنه لا يسيطر على كيفية إنهائها»، مضيفاً أن «الآلاف من الجنود الأميركيين المتمركزين على بعد آلاف الكيلومترات من وطنهم سيعانون، بكل تأكيد».

وأشار إلى أن إيران منفتحة على المفاوضات الجادة، إلا أنه لا يعتقد أن هذا «هو نوع الحوار الذي يسعى إليه رئيس الولايات المتحدة، فهو يريد فقط فرض إرادته على الآخرين».

وأمس الأول، هدد المستشار البارز للمرشد، علي شمخاني، بأن أيّ تحرُّك عسكري أميركي مهما كان مستواه سيُعد «إعلان حرب وسيُقابل برَدّ فوري»، مضيفاً أن «الضربة المحدودة مجرّد وهم»، ومشدداً على أن رد إيران سيكون «شاملاً وغير مسبوق، وسيستهدف المعتدي وقلب تل أبيب».

مسيّرات وبوارج

وبينما تواصل الولايات المتحدة حشد قدرات حربية كبرى مع ارتفاع عدد القطع البحرية إلى 10، إضافة إلى عشرات المقاتلات في المنطقة لاحتمال شن الضربة، أعلن قائد الجيش الإيراني، أمير حاتمي، تعزيز فروع القوات المسلحة بدفعة تضم 1000 مسيّرة بهدف «ضمان سرعة القتال وفرض ردّ ساحق على أي معتدٍ». 

وتزامن ذلك مع تقديرات إسرائيلية عن قفزة كبيرة بإنتاج إيران من المسيرات، إذ أشارت إلى أن «الحرس الثوري» بات ينتج نحو 400 مسيّرة من طراز شاهد يومياً.

وأمس، أكدت صحيفة كيهان، التي تصدر تحت إشراف ممثل خامنئي، أن «يد إيران وحلفائها على الزناد، ومع أول خطأ يرتكبه العدو، سيتم قطع شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، ودفن الهيبة الزائفة للبوارج الأميركية التي تكلف المليارات في قعر المياه الخليجية».

وفي حين قالت طهران إنها ستنفذ يومي الأحد والاثنين المقبلين مناورات بحرية في مضيق هرمز، أعلن الاتحاد الأوروبي تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، في خطوة وصفتها إسرائيل بـ «التاريخية»، بينما وصفتها إيران بـ «خطأ استراتيجي كبير».

جهود دولية

وفي ظل التحول الأميركي اللافت باتجاه التعامل مع ملف إيران وتداعياته المحتملة على المنطقة، كشفت تقارير أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اقترح عقد اجتماع ثلاثي يشارك فيه كل من نظيره الأميركي والإيراني مسعود بزشكيان، في محاولة للتوسط وخفض التصعيد، مشيرة إلى أنه «يجري النظر في عقد محادثات عبر الهاتف». وأبرزت أن «ترامب تجاوب بشكل إيجابي مع مقترح أردوغان».

يأتي ذلك في وقت يزور وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أنقرة اليوم للقاء نظيره التركي هاكان فيدان، الذي جدد معارضة بلده لأي تدخُّل عسكري ضد طهران وعرض المساعدة في التوصل إلى حل للتوترات الراهنة والمخاطر التي قد تنجم عنها إقليمياً وعالمياً عبر الحوار.

في السياق، نقل ‌موقع «أكسيوس» ‌عن مصادر مطلعة قولها ‌إن إدارة ترامب تستضيف ⁠مسؤولين إسرائيليين وسعوديين رفيعي المستوى ‌في مجالَي الدفاع والاستخبارات لإجراء محادثات ‌بشأن ‍إيران هذا الأسبوع لمناقشة التحركات المحتملة باتجاه إيران.

في موسكو، اعتبرت الرئاسة الروسية أن إمكانات إجراء مفاوضات مثمرة حول الملف الإيراني «لم تُستنفد بعد»، محذّرة من أن «أي استخدام للقوة لن يؤدي سوى إلى إثارة الفوضى في المنطقة، وستكون له عواقب خطيرة للغاية».

كما حذّرت الصين من «مغامرة عسكرية» في الشرق الأوسط، مؤكدة أن «استخدام القوة لا يمكن أن يحلّ المشكلات، وأي مغامرة عسكرية لن تفعل سوى أن تدفع المنطقة نحو هاوية المجهول».

 

back to top