وجهة نظر: مؤتمر الأمم للمناخ «كوب 30» ومتناقضات الهدف!

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 18:28
 د. عبدالسميع بهبهاني

انعقد مؤتمر البيئة البرازيلي «كوب 30» في نوفمبر 2025 بمدينة بيليم، وأسفر عن «اتفاق بيليم» الذي استهدف مساعدة الدول على تسريع خفض الانبعاثات، مع توفير دعم مالي ممتد حتى عام 2035. ورغم تسجيل نجاحات في خفض الانبعاثات، أقرّ الاتفاق بعدم تحقيق مسار يضمن البقاء دون 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. وتضمن الاتفاق مضاعفة التمويل ثلاث مرات بحلول 2035، وتعجيل توفير تمويل سنوي يصل إلى 1.3 تريليون دولار. وشملت تفاصيل «بيليم» إنشاء صندوق الغابات الاستوائية والصحية بقيمة 5.8 مليارات دولار، إضافة إلى تحالف «يوينزا» الذي خصص لمشاريع الطاقة المتجددة وللنقل والتخزين 150 مليون دولار. وعلى صعيد التعليقات القيادية، أشار الحضور إلى فشل الاتحاد الأوروبي وأطراف أخرى في التوصل إلى خريطة طريق واضحة للتخلص من الوقود الأحفوري، وهو ما لم ينعكس في البيان الختامي. كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «الإخفاق» في الحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية. وسجّل المؤتمر سابقة بتشكيل لجنة لإعداد تقرير «نزاهة المعلومات» لضمان سلامة ودقة البيانات المناخية.

وفي سياق موازٍ لما خلص إليه «كوب 30» من فجوة بين الطموح والواقع، راجعت وكالة الطاقة الدولية تقاريرها السابقة بشأن تحييد الوقود الأحفوري، متوقعة ارتفاع الطلب على النفط إلى 113–115 مليون برميل يومياً بحلول 2050، بزيادة متحفظة بـ 13% عن تقرير 2024، في اعتراف بواقعية أكبر للتحول الطاقي، توازن بين تشدد البيئيين وتشكيك المعارضين، لتقف الوكالة بين التمني والواقع.

في افتتاحيتها لعدد ديسمبر 2025، ربطت مجلة الاقتصاد الكويتي الصادرة عن غرفة التجارة بين الطموح المناخي والواقعية الاقتصادية، مؤكدة أنه لا خلاف على ضرورة ضبط الانبعاثات حمايةً للأرض من تداعيات التغير المناخي! وأشارت إلى أن «ترشيد» الاستهلاك يمثل المدخل الأساس للوصول إلى الحياد الكربوني، حيث يمكن معالجة نحو 55% من الانبعاثات عبر التوسع في الطاقة المتجددة! وتطبيق كفاءة الطاقة. أما النسبة المتبقية، فتعود إلى انبعاثات التصنيع، خصوصاً في صناعات الأسمنت والألمنيوم، ما يستدعي حلولاً قائمة على تحسين طرق الإنتاج، واستخدام مواد أطول عمراً، وإعادة التصنيع والتدوير. وخلصت الافتتاحية إلى أن التخلي الكامل عن الوقود الأحفوري لم يتحقق عملياً، ما يجعل مزيج الطاقة خياراً واقعياً لا مفر منه. وفي جانب الاستثمارات، شددت على أهمية تأمين الطاقة وترشيدها، والاستثمار في تحييد الكربون الصفري عبر مزيج من المتجددة والأحفورية. كما لفتت إلى فجوة عدالة واضحة، حيث تستحوذ 10% من دول العالم الأكثر رخاءً على 95% من استثمارات الطاقة المتجددة، بينما لا تحصل الدول النامية، التي تضم 85% من سكان العالم، إلا على 5% فقط.

وفي امتداد لما سبق من طرح يوازن بين الطموح المناخي والواقعية الاقتصادية، يشير تقرير «ستاندرد آند بورز» إلى أن دول الخليج تعتزم إنفاق ما بين 115 و125 مليار دولار سنوياً خلال الفترة 2025 – 2027 على «استثمارات المنبع» النفطي، بالتوازي مع دمج مشاريع الطاقة المتجددة والوقود منخفض الكربون لضمان الاستدامة. ويشمل ذلك التوسع في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتقنيات التخزين بالبطاريات، في وقت أجّلت فيه بعض الشركات العالمية جزءاً من استثمارات المتجددة لصالح مشاريع المنبع. وتبرز هنا أدوار الحكومات الخليجية في دعم الطاقة المتجددة، والصناعة الخضراء، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة. أما في الكويت، فتتطلب تحديات الاقتصاد الوطني تحقيق تجانس عملي بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة، عبر بناء بنى تحتية داعمة لاقتصاد منخفض الكربون.

وفي ضوء ما سبق عرضه من مقررات «كوب 30» وتقارير المؤسسات الدولية، يبرز رأي نقدي يرى أن مسار المؤتمر متناقض مع واقع ارتفاع حرارة الأرض، إذ تركز القرارات المالية على الإنفاق دون معالجة علمية واضحة للعلاقة بين الانبعاثات وارتفاع الحرارة، مع تباين وشكوك حتى في التصريحات الأممية، فالاستمرار في صرف مالي ضخم رغم عدم تحقق الأهداف يثير تساؤلات جوهرية. ومن هذا المنطلق، تمّت مناقشة فرضية حصر خفض الانبعاثات في الطاقة المتجددة فقط، وهو طرح ناقشته علمياً في 7 مقالات منذ 2015، في «الجريدة»، مبيناً زيادة الانبعاثات الكربونية، مع التشكيك في العلاقة السببية المباشرة بينها وبين الارتفاع الحراري. فمنذ إطلاق مسار «كيوتو» عام 2000، تجاوز إنفاق المتجددة 10 تريليونات دولار، بينما تشير المؤشرات الحرارية إلى تسارع الاحترار، إذ كان العقد 2015 – 2024 الأدفأ تاريخياً بمتوسط 1.24 – 1.28 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، وتجاوزت بعض السنوات حاجز 1.5 درجة. الحقيقة ان منذ فرض مشروع مؤتمرات الأطراف (COP) وحرارة الأرض في ارتفاع إلى أن وصل 1.6 درجة مئوية (بزيادة 0.8 درجة)، ويعزز ذلك اليقين بعدم جدوى النموذج الحالي، خصوصا مع تقديرات «بنك أوف أميركا» التي تشير إلى ضرورة سحب 50 مليار طن كربون سنوياً بتكلفة 3–4 تريليونات دولار. كما أن انخفاض الانبعاثات خلال جائحة كورونا لم يمنع ارتفاع الحرارة. وحسب وكالة مكينزي سيصل، من الناحية الاقتصادية، الإنفاق على الأصول المادية في مسار الوصول إلى صافي الصفر إلى حوالي 275 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2050، أو 9.2 تريليونات دولار سنويا، وعليه، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة مراجعة النظرية بعيداً عن التسيس، والتركيز على مسببات واقعية لحرارة الأرض، مع اعتماد مزيج متوازن من الطاقة الأحفورية والمتجددة، بما يراعي خصوصية البيئات ومدى تجاوبها مع مشروع المتجددة وفعاليتها، فالهدر المالي الضخم يمكن أن يكون تحويله إلى رفاه للدول النامية، وبناء للدول الفقيرة.

*خبير واستشاري نفط

back to top