شكراً إبليس

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 17:34
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

وصل أبوجاسم وابنه إلى إسبانيا، وذهبا إلى فندقهما المطل على البحر... بالسيارة التي استأجراها. وبعد أن قضيا يوماً جميلاً، وبعد تناول وجبة العشاء، قال جاسم لأبيه: هل تسمح لي أن آخذ السيارة لأزور خالي وأشاهد معه المباريات في شقته القريبة منا، فقال الأب: لا مانع لدي بشرط أن ترجع بعد مشاهدة المباريات فوراً.

خرج جاسم من الفندق، وترك أباه يتصفح الأخبار حتى شعر بالنعاس، فأرسل إلى ابنه رسالة يقول: أنا نعسان وعلى الفراش، ويبدو أنني سأنام، فالزم الهدوء إذا دخلت الغرفة. وبعد نصف ساعة أرسل جاسم لأبيه رسالة يقول أنا الآن في طريقي إليك وقريب جداً من الفندق، كانت الساعة 1:30، فرأى الأب الرسالة واطمأن ونام من شدة التعب.

استيقظ الأب في تمام الساعة 3:00 بعد منتصف الليل ولم ير ابنه على فراشه! وكان متعباً جداً، فقال لنفسه: أنا معتاد على جاسم ومفاجآته غير المتوقعة، وأعذاره التي لا تنتهي، سأنام وأرتاح وأراه في الصباح، ولكن صوتاً همس في أذني وقال لي: جاسم أصيب بحادث ومات. فاتصل عليه فلم يجب... ثم أرسل له: «أين أنت» فلم يجب! فتكدّر حاله وضاق صدره، ثم عظم المشهد في رأسه، وسلّم أن جاسم قد وقع في حادث مروع وانقلب بالسيارة، ورجال الشرطة لا يريدون الرد على المكالمات الحالية حتى تهدأ الأمور قليلاً. فطار النعاس والتعب وحل مكانهما الخوف والقلق. وقال لنفسه: ما الذي دهاني؟ ما كل هذه الوساوس التي اشتعلت في رأسي فجأة؟ فأخذ يردد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. لأن هذا الذكر حرز لابن آدم من الشيطان، وتم على هذا الحال حتى وصلته رسالة اعتذار من جاسم يقول فيها: لقد صادفت شبابا أعرفهم وتبادلنا الأحاديث والمزاح، وهاتفي بالسيارة، فاعذرني.

صحيح أن دوّامة التفكير في الحادث قد انتهت، ولكن شرارة الغضب بدأت تتوالى عليه من هذا الإهمال غير المبرر الذي لا ينبغي من شاب في أول سنة بالجامعة، فتحول هذا القلق إلى غضب ورغبة في الرد الموجع، ولكنه قرر أن يكتم غيظه حتى لا يفسد صفو الرحلة، وذهب ليصلي ركعتين ليهدأ باله بعد هذا الاختناق الذي مرّ به. دخل ليتوضأ فما إن انتهى من الوضوء إلا وقد شعر بشيء من الراحة. ثم كبّر وشرع في الصلاة ثم الدعاء.

يقول أبو جاسم: قد فتح الله علي بالدعاء في ذلك اليوم، وأخذت أدعو وأدعو لنفسي ولجاسم ولأهلي ولمن أعرفهم وأعزهم، حتى شعرت بالراحة والسكينة، ثم شكرت الله وذهبت لأرقد، وقد تبدل حالي من ضيق وكرب إلى هدوء وسلام وسكينة، واستشعرت بأن سكينة المؤمن من النعم التي لا يضاهيها شيء، فهي أرقى حالاً من المتعة والفرح اللحظي، الذي يذهب مع ذهاب الحدث.

ثم ابتسمت وأنا على فراشي وجاسم نائم بجواري قد دخل متسللاً بهدوء، وقلت في نفسي: لو علم الشيطان الذي أفزعني من نومي ليفسد علي الرحلة أنني سأصلي وأدعو، لما أيقظني من النوم.

back to top