بدون مجاملة: الشر... اختيار أم اضطرار؟

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 17:28
 سارة صالح الراشد

أولاً: ما هو الشر؟ الشر نقيض كل ما هو خيِّر طيِّب. وفيه وقوع ضرر، وفساد وإيذاء. للشر نوابع ودوافع، ومهما كانت أسبابه، فهي ليست حججاً، ولا أعذاراً، لأنها ستجعله مقبولاً، لا مسؤولاً!

وهنا كان العجب، فاليوم اقتحمت مجتمعاتنا فكرة مستقاة من الأفلام والقصص والروايات المخالفة لثقافتنا، التي تبرِّر للشر والأشرار، وأن الإنسان ضحية المجتمع والظروف، وتكرِّر مقولة «الأشرار يُصنـَعون»، أي لا يُولد أي إنسان شريراً، إنما الأحداث والضغوط والمعاملة القاسية التي يتلقاها تُحوِّله من إنسانٍ بريء مُسالم إلى مجرم مستبد! 

إن حسم هذا الاعتقاد أمر خاطئ منحرف خطير، فنحن نعلم أن الإنسان مجبول على فعل الشر، كما هو مجبول على فعل الخير، وأن الله بيَّن له السبيل، وعنده من العقل والإدراك والمواعظ أن يميز أي طريق «يختار»، فيتحمَّل العواقب، إلا أن يكون مجنوناً أو فاقداً للأهلية. فلو كان الإنسان مضطراً لفعل الشر، فلماذا وُضعت القوانين؟ ولماذا وُجِد القضاء؟ ولماذا يُحاسبنا الله تعالى على أفعالنا؟ ولماذا أصلاً يوجد طريقان مختلفان، وأخلاق كريمة، وأخرى ذميمة، وكيف نفرِّق بين الحق والباطل؟ ومتى نصف شخصاً بالاستقامة واللطف، وآخر بالاستهتار والفظاظة؟

تخيَّل أنك دخلت مؤسسة عمل، فصادفت مراجعاً يعلو صوته سليط اللسان، يهدِّد ويتلف الممتلكات. ربما لا نعلم ما الذي قاده إلى هذا التصرُّف المستهجن، لكن مهما حصل، فتلك أسباب، وليست مسوغات. فإذا كان قد تعرَّض للاستفزاز، فبإمكانه التوجُّه إلى المسؤول، أو تقديم شكوى رسمية. إذا قلنا إن الوقح أو المجرم انتهج هذا السلوك لأنه مغتاظ أو يُريد الانتقام، فهو تصنيف واضح لأفعاله بأنها عدوانية يقودها غضب مُستحكم وحقد دفين. كذلك في المعاملات الإنسانية، عندما يُصبح الشخص متوجساً شكاكاً لأنه تعرَّض للخداع كثيراً! فهل يعني هذا أن جميع الناس لا عهد لهم ولا ذمة؟ 

تعميم التجارب ظلم للنفس وللآخرين، وفشل في مواجهة الحياة الواقعية.

لو استسلم كل إنسان للظروف الصعبة، فتحوَّل إلى لِصٍ أو مرتاب أو سفَّاح، لهلك الناس.

هذا الدِّين العظيم حرَّم الظلم، ومنح الفرد الصلاحية في رد الإساءة- بمثلها- من دون تعدٍّ، وفي الوقت نفسه حث على العفو- عند المقدرة، طمعاً في عفو الله وفضله. كما يدعو دائماً إلى مخافة الله، ويثني على المُحسنين، ويرفع مقام الصابرين، كما يقرُّ بحق الناس في التوجه إلى السُّلطة للفض في النزاعات، وإلى الحكم بالعدل، ويَعِد بأن المظلوم سينتصر، والعاقبة للمتقين. 

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)} سورة الشمس.

back to top