متى يأتيك اليقين؟ (1)

نشر في 30-01-2026
آخر تحديث 29-01-2026 | 17:27
 حسين عبدالله

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

لم تكن الرحلةُ صنيعةَ تخطيط، بل استجابة، حضورٌ يسبق الفهم، لا بصوتٍ يُسمع، ولا بترتيب متقن، بل وكأن الروح سبقتني إلى المعنى.

في البداية، لم أطلب يقيناً، ولم أبحث عن علامة، كنت أستجيب كمن يسلّم خطاه لما يعرفه القلب، ولا يجرؤ العقل على تفسيره.

في قلب الزحام، انكشف لي ما لم أكشفه من قبل. أن العبادة، إذا خالطتها العجلة أخلّت بسكون النفس.

فجاء السكون، لا دفعةً واحدة، بل انسحاباً هادئاً، كأن شيئاً كان محمولاً في الصدر، وآن له أن يزول.

لم يأتِ اليقين على حين غفلة، ولا كإجابة، ولا كوضوحٍ ذهني، بل كحالة، لا تُلحّ على الزمن، ولا تخاصم الغد، ولا تُجادل التّدبير.

فهمتُ حينها أن اليقين لا يُنال بالسعي إليه، بل بملازمة الدرب، دون استعجال الوصول.

كنتُ أعبد، فاستقام التّدبير، وأسلّم، فكانت الخطوة تُهيّأ قبل أن أراها.

لم يعد الغد يقلقني، ولا النتائج تُربكني، فأصبح أهم ما أملك هو خلوّ البال، وصدق الحضور.

وهكذا، لم تكن الآية عنواناً لرحلة، بل مرآةً لما حدث.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

لا كغايةٍ ألاحقها، بل كحالٍ أعيشها، وأتركها تنضج في صمتها.

(1) مكّة، عند المحطة الأولى (11 رجب.. 31 ديسمبر)

لم تبدأ الرحلة حين الوصول، بل عندما تمّ الحجز بلا تخطيط.

في 14 ديسمبر، لم يكن في القرار استعجال، ولا تخطيط مسبق، كان أشبه بغريزة، خطوة نهضت من السكون، لا من رغبةٍ مُعلَنة، كأن الأمر دعوة، فتمّ اللقاء.

وصلتُ مكّة مع الفجر، بلا يقينٍ مُسبق، انطلقت العمرة قبل الصلاة، وبدأت الرحلة. 

طوافٌ مزدحم، أكتافٌ تدفع، أصواتٌ متداخلة، وضيقٌ لم يكن في المكان فقط، بل في التفاعل معه.

هناك، لم أشعر بالسكينة، ولا بالخشوع المأمول، شعرتُ، وكأن العبادة هنا تكشف صدقي:

هل أطلب الراحة؟ أم أقبل الطريق كما هو؟

بين الطواف والسعي، جلستُ للفجر وأنا أتفكّر، بلا دعاءٍ طويل، ولا استعجال في الطلب، بل بحضور.

ثم أكملتُ السعي وانتهت العمرة، غير أن الاضطراب لم ينتهِ.

بعدها تركتُ نفسي للراحة، لا فتحًا لباب السؤال، ولا طلبًا لجواب، بل عودةً إلى السكون.

كأن الجسد يخاطب العقل، آن للمقاومة أن تهدأ، وأتت الإجابة من القلب، دعنا نطمئن.

ففي مكّة، تعلّمتُ أول درس دون كلمات:

أن البدايات ليست دائماً مريحة، وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالسكينة، بل بالصبر عليها.

خرجتُ من مكّة في الظهيرة، لا وأنا مكتمل، بل وأنا فارغ الذهن، ولم أكن أعلم.

أن هذا السكون، كان شرط العبور التالي.

back to top