«نصف عمري هناك»... سيرة إعلامية رائدة لجاسم بودي بين الورود والأشواك

بمناسبة مرور 30 عاماً على صدور العدد الأول لصحيفة الراي

نشر في 29-01-2026
آخر تحديث 28-01-2026 | 20:43
رئيس تحرير جريدة الراي الأسبق الناشر جاسم بودي
رئيس تحرير جريدة الراي الأسبق الناشر جاسم بودي
أصدر رئيس تحرير جريدة الراي الأسبق، الناشر جاسم بودي، كتاباً يوثق فيه محطات مهمة من رحلته الإعلامية، منتقياً له عنوان «نصف عمري هناك»، ومتتبعاً نحو 30 عاماً في بلاط صاحبة الجلالة.
اشتهر بودي بالجَلَد والعزيمة والإرادة الفولاذية وبُعد النظر ونفاذ البصيرة، ولم يكن يخشى ركوب الأمواج العاتية، بل كان كالمتمرس الذي يعشق الوثوب على الصعاب وتجشّم عناء التحديات.
ويختزل بودي مشواراً إعلامياً متميزاً في كتاب مكون من 17 فصلاً، موزعاً على نحو 430 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي الإصدار بمناسبة مرور 30 عاماً على صدور العدد الأول لصحيفة الراي، ويتضمن مراحل متنوعة وفصولاً مختلفة في بلاط صاحبة الجلالة، كما يشمل افتتاحيات متنوعة في السياسة والاقتصاد وفي شؤون الحياة الأخرى.

تحت عنوان «ثلاثون عاماً... العشق» يستهل الناشر جاسم بودي إصداره، ويقول ضمن هذا الإطار: «عزيزي القارئ، أشعر ببعض الغربة وأنا أتحدث معك عبر صفحات كتاب... لا في الصفحة الأولى من صحيفة الراي التي جمعتنا مدة ثلاثين عاماً.



وأقول إنني اضطررت بمناسبة (الثلاثين) إلى أن أستجيب لمطلب فريق العمل بتوثيق بعض فصول المسيرة متبوعة بافتتاحيات مختارة، ونشرها في كتاب يحمل اسمي ويعتبر عنوان سكني ومنزلي وجزءاً من سيرتي ومسيرتي... وهويتي».

وأضاف: «لكنني لا بُد أن أعترف بأن الإدارة اليومية لـ (الراي)، رغم تفاصيلها الإيجابية والسلبية، كانت أسهل قليلاً من تحفيز الذاكرة وتنظيم الأفكار ومحاولة الإحاطة بهذا المشروع الذي عمل معي على إنجازه فريق محدود منتقى من الذين واكبوا مسيرة إصدار «الرأي العام» ثم «الراي».

أسّسنا تلفزيون الراي والموقع الإلكتروني ومنصّات التواصل ومركز الدراسات 

وعن مضمون الإصدار، يسرد بودي ضمن هذا السياق: «لم أُرد لهذا الكتاب أن يجمع بين دفتيه افتتاحيات كتبتها فحسب، بل أردته كشفاً لمسيرة الأعوام الثلاثين، بدءاً من الفكرة والتحضير والتنفيذ والانطلاق والصدور والتوسع نحو تأسيس أول تلفزيون في الكويت ومركز دراسات ومنصات اجتماعية... ومن الخاص إلى العام، هذا الكتاب يعكس في الوقت نفسه صورة من المشهد السياسي الكويتي الذي سبحت (الراي) في بحره ورصدت عواصفه وأمواجه ورياحه وهدوء حركته».

وتابع: «اعتمدنا صيغة جديدة في النشر، فلم أتحدث بصفة الـ (أنا) كفرد، بل سكنت فيما تم تجميعه عني لأنني مصدر المعلومة بكل بساطة. هو عرض قدّمه وجمعه بعض من عملوا معي بعد تحفيز ذاكرتي بشكل أساسي وذاكرة من شارك المسيرة منهم، وشكّل الكتاب في النهاية عنوان منزل أقمت في غرفه وردهاته لأكثر من 30 عاماً ما بين الفكرة والتحضير والتنفيذ... أي نحو نصف عمري».

الكتاب يكشف مسيرة الـ 30 عاماً بدءاً من الفكرة والتحضير والتنفيذ والانطلاق والصدور والتوسع

مسار العمل

واستطرد بودي للحديث عن مسار العمل في الصحيفة، قائلاً إن: «القارئ الذي سيبحر في فصول الكتاب التي تم تصنيفها بين محاور تتعلق بمسيرتي الشخصية ومسار العمل في الصحيفة وبآلية التعايش السياسية بين مؤسسات الدولة والدستور، وأخرى تتعلق بالاقتصاد والتنمية والإصلاح والإرهاب والمرأة والشباب والعلاقة مع الأميركيين والعراق، وغيرها، سيجد نفسه تلقائياً في شرفة تطل على مناطق الجغرافيا السياسية في الكويت بكل سلبياتها وإيجابياتها، وسيخرج من سيرة (الرأي) كصحيفة كويتية إلى مسيرة الكويت في الأعوام الثلاثين الماضية، ثم سيكتشف أن السيرة والمسيرة فصول واحدة مجموعة في كتاب... فلولا الكويت ما كانت (الرأي)».

توجّه الصحيفة صناعة إعلامية بحتة... ورسالتها الرأي لصاحبه والخبر للقارئ 

مغامرة شراء صحيفة

وعن أهداف مشروعه الإعلامي، يؤكد بودي أن فكرة شراء صحيفة في نهاية عام 1994 كانت أشبه بمغامرة عند البعض، وخطوة غير محسوبة النتائج عند البعض الآخر. تزاحمت الأسئلة في زمن مليء بالاستقطاب حول مغزى المشروع وأهدافه، وربط كثيرون بينه وبين أدوار وجهات سياسية واقتصادية. وعندما جمعت فريق العمل الذي سألني بدوره عن توجُّه الجريدة ورسالتها أجبت: «توجّه الجريدة صناعة إعلامية بحتة هدفها الربح والاستمرار كما في أي صناعة أخرى». ورسالتها؟ أجبت ببساطة أيضاً: «الرأي لصاحبه والخبر للقارئ».

وتابع: «بدأ العمل وصارت (الرأي) مقرّ عملي الوحيد، فالبدايات تتطلّب تركيزاً وسهراً واختبارات وتجارب. أحياناً نربط الليل بالنهار للتمكن من الصدور في الموعد المحدّد وأخذ موقعنا في ساحات الزمالة... والتنافس. صدر العدد الأول كأنه المولود الأول بعد مخاض عسير صاحبته تحديات لا علاقة لها بالمهنة، وراكمت ثقلاً إضافياً على كاهلنا». 



ومضى بودي في القول: «تجاوزنا كل ذلك التعب ونحن نمسك بصحيفة هي نتاج جهد مشترك لأسابيع، وأبلغت زملائي، بصفتي رئيساً للتحرير آنذاك، أن ما بعد ذلك اليوم ليس كما قبله، ففي كلّ يوم ولادة جديدة، والتنافس يجب أن يتركز على ذواتنا، بمعنى أن نُقدّم باستمرار مُنتجاً أفضل مما سبقه، كما ذكرت عبارة من 3 كلمات طلبت من الزملاء حفظها جيداً»، أصبت وأخطأت، تعلّمت وعلّمت، كانت الطريق مفروشة بالشوك أحياناً أكثر من الورد، ومع ذلك لم تزدني التحدّيات سوى الإصرار على التوسع في المشروع مُعتمداً على ما لمسته من القُرّاء الذين أعتبرهم الشركاء الأساسيّين لنا... ودَيْنُهم في رقبتي. كان دعمهم وتفاعلهم مُدهشاً، بل عنصر قوّة لي في المضيّ قُدماً».

محاوره تتضمن مسيرتي ومسار العمل في الصحيفة وآلية التعايش السياسية بين مؤسسات الدولة والدستور

المؤسسة الإعلامية

وعن ملحقات الصحيفة، قال: «أسّسنا (تلفزيون الراي) ومعه الموقع الإلكتروني ومنصّات التواصل الاجتماعي ومركز الدراسات. صارت الفكرة التي بدأت في رأسي وتقدّمت مع فريق عمل مُصغّر واتسع مداها مع مئات من الزملاء والتقنيين واحدة من أضخم المؤسسات الإعلامية في الخليج والعالم العربي».

وعن الصعوبات التي تواجه النشر اليومي، قال: «توالت التحدّيات والعثرات، لكن إرادة التقدّم كانت أقوى. أو كما قال عمر المختار: (الضربة التي لا تقصم ظهرك تُقوّيك)، لم تُحنِ أكتافَنا الضربات، بل زادتنا صلابة وقوة، إنما بقيت أقدامنا على الأرض ولم تُغرِنا النجاحات، رغم ارتفاع أرقام التصنيف أحياناً إلى درجة التحليق».

وتابع: «في كُلّ مقالاتي وتوجيهاتي إلى الزملاء أُكرّر وجوب استخدام العقل أكثر من العاطفة في التحليل ومقاربة الأمور. إنما إذا تحدّثت أنا شخصياً عن «الراي» فلا حبر أكتب به سوى حبر العاطفة، ولا أتصفّح أوراق مسيرتها إلا بنبض القلب. فهي المولود الذي احتلّ سنوات من عمري وأبعدني في غالب الأوقات عن أسرتي وأصدقائي، ولهؤلاء جميعاً أتقدّم باعتذاري الخاص، رغم أنهم يعرفون أنه لا جدوى من الاعتذار، لكون مهنة المتاعب تأسرك اجتماعياً وعائلياً، فإن ابتعدت عنها قليلاً لارتباط ما، فسيعيدك تصريح ناري لمسؤول أو حادث كبير أو انفجار أو حرب أو اغتيال أو انتصار... إلى بلاط صاحبة الجلالة مهما حاولت الفصل بين وجودك المكاني وأثير الفكرة أو المبادرة».

قارئ الكتاب سيجد نفسه في شرفة تطل على مناطق الجغرافيا السياسية الكويتية بكل سلبياتها وإيجابياتها

وأردف: «كَبُر المولود واستمرّ في حصد الشهادات والألقاب، 30 سنة نقصت من عمري إلى عمره، وشكّلا عمراً واحداً في النهاية إن أردت توصيفه بتقويم الصدور الأول حتى اليوم. عمر عنوانه الشغف والتحدي والإثارة والسبق والركض خلف الخبر والمقابلة والتحقيق. عنوانه بدايات صباحيّة صاخبة تموج بالأحداث والأفكار والمتابعات، ونهايات مسائيّة نُحاول ما أمكن فيها تقديم خدمة لمشاهد وقارئ تختصر تطوّرات النهار وتفتح لهم آفاق ما بعد الخبر».

وأضاف: «ولا بُدّ من التوجّه بالشكر لفريق العمل الذي التحق بـ (الراي) واحداً واحداً، من بقي منهم ومن غادر لظروف خاصة، من الزملاء في التحرير إلى إدارات الإنتاج والتسويق والإعلان والشؤون الإدارية والمالية والتوزيع، وصولاً إلى عمال المطبعة والصيانة وموظفي الأمن. جميعهم شكلوا خلية العمل التي أنتجت صفحات هذه المسيرة، وكل واحد فيهم ساهم برسم خط ما في اللوحة الكبرى.

في آخر مناسبة اجتماعية ألتقي فيها جزءا من فريق العمل، كشفت لهم بعض أسرار عشقي لـ «الراي»، ولم أبُح بالأسرار كلها. تركت أشياء كثيرة لنفسي يختلط فيها البعد الشخصي بالمهني بالعاطفي، قلت لهم إن «الراي» انتقلت من كونها أسرتي إلى كونها وطني المُصغّر.
 

العدد الأول كان كالمولود الأول بعد مخاض عسير صاحبته تحديات لا علاقة لها بالمهنة

فصل الشغف والتحضير

خلال هذا الفصل يسرد الكتاب حكاية بدء الفكرة ثم ترجمتها إلى الواقع، مروراً بالمشكلات والعثرات التي تعرضت لها الصحيفة قبل الإصدار، وعن فترة النزاع القضائي بين صاحب الجريدة الجديد والناشر القديم، يروي الكتاب أن صاحب الجريدة السابق، الراحل عبدالعزيز المساعيد، وكان شريكاً قليلاً في الصيغة الجديدة من أجل تجميد صدور الصحيفة، ربما أراد الراحل التراجع عن بيع الصحيفة لجاسم بودي، وربما أراد شيئاً آخر... إنما من دون الدخول في التفاصيل أصيب فريق العمل بالإحباط، وسط إشاعات انتشرت في الكويت مثل «النار في الهشيم» عن توقف المشروع برمته وعن دخول «شخصيات كبيرة جداً» على الخط لمنع الصدور نهائياً. كان أعضاء فريق العمل متحمسين ومنطلقين من جهة، وهم قد قدِموا من مؤسسات إعلامية كبرى، مثل الحياة والشرق الأوسط والنهار والسفير وبعض أهم الصحف المصرية، إضافة إلى جزء كبير يمثل الأغلبية من الكويت، وجميع هؤلاء تركوا أماكن عملهم السابقة ولديهم التزامات أسرية. كان يوماً لا ينسى، جاسم بودي غائب عن السمع تماماً، مما زاد من قلق الصحافيين مترافقاً مع اتصالات تلقوها من زملاء لهم في صحف أخرى، مفادها أن القرار الذي صدر نهائي، وأن عليهم البدء بالتفكير في تأمين أعمال جديدة.

في الخامسة عصراً، دخل جاسم بودي إلى الصحيفة وفعلاً ببراءة الأطفال في عينيه. التقاه عند الباب مدير التحرير وأبلغه بالضجة التي حصلت والقلق والذعر... إلخ. ابتسم، فقط ابتسم، وطلب منهما أن يجمعا الفريق في الصالة. تم ذلك، فقال لهم: «أنا لا أحب الاجتماعات الموسّعة، ومع ذلك سأتحدث في دقيقة واحدة فقط وأريدكم بعدها عدم طرح أسئلة، والعودة إلى أعمالكم كأن شيئاً لم يكن. قرار منع الصدور أوّلي، وسيتغير، وفريق المحامين لدينا يتولى هذه المهمة، وموقفنا القانوني سليم، وأقسم لا علاقة لكم بالموضوع. صدرنا غداً، صدرنا بعد أسبوع، شهر، سنة، سنتين، فأنا أتعهد أمامكم بأن رواتبكم ستصلكم شهرياً كالعادة مهما طالت المدة».

وفي فصل الإرهاب، وجّه جاسم بودي رسالة إلى أسامة بن لادن، كما أرسل إلى الرئيس الأميركي جورج بوش وشخصيات أخرى.
ضربتان نقلتا العالم إلى «الراي» 

كثيرة جداً هي المواضيع التي تميزت بها «الراي»، سواء على الصعيد المحلي أو العربي أو الدولي. أسقطت وزراء، وغيّرت حكومات، وأجرت مقابلات مع شخصيات كان الوصول إليها صعباً جداً، منها مثلا الفلاح العراقي منقاش الذي ادّعى الإعلام العراقي أيام صدام حسين أنه أسقط طائرة أميركية ببندقيته، فكشف أنه سمع صوت ارتطام المروحة بحقله، ثم جاء مسؤولون أمنيون ووضعوا في يده بندقية وبدأوا يهوسون» وينشدون، كما كشفت الصحيفة صفقات سياسية كانت تجري في الخفاء، وأخرى مالية.

 ويمكن القول إن ضربتين إعلاميتين نقلتا العالم بأسره إلى مبنى «الراي» في الشويخ، حيث لم يستطع العاملون حرفيا الدخول من الباب الرئيسي لكثرة تزاحم الصحافيين الأجانب مع كاميراتهم. 

الضربة الأولى تمثلت في نشر مقتطفات من شريط لتنظيم القاعدة، حصلت «الراي» عليه حصريا، وفيه اعتراف هو الأول من نوعه بأن أفراد التنظيم هم من فجّر المدمرة الأميركية كول أمام سواحل اليمن، وكذلك صور التدريبات والأهداف التي ضربوها، وتلك التي يخططون لها، وأيضا اجتماعات أسامة بن لادن مع جماعته. يومها أي تلفزيون أميركي كنت تفتحه تجد صور التدريبات مع لوغو «الراي» إضافة إلى تدفق المراسلين إلى الكويت للحديث مع جاسم بودي. أما الضربة الثانية فكانت عند خطف فتاتين إيطاليتين في العراق بعد الإطاحة بصدام حسين، ونشر موضوع عنهما في الصحيفة.

الكاريكاتير

حرص جاسم بودي على إبراز لغة الكاريكاتير في الصحيفة، فكان هناك نحو 4 كويتيين يرسمون بين بلوك الأولى وصفحة المقالات، إضافة إلى الفنان شريف عليش من مصر في صفحة الرياضة. 

لكن الفنان جعفر رجب تميز بصفحة أسبوعية بعنوان «تحت الحزام» كانت بحق رؤية فنية راصدة لأحداث الأسبوع السياسية. صفحة جمعت بين قوة الفكرة وجمالية الرسمة بإبداع غير مسبوق في الصحافة الكويتية. وأيضاً، أعد رجب صفحات على شكل المجلات القديمة التي تنشر مسلسلات مصورة، فجمع صوراً سياسية في صفحة واحدة ورتبها بإيقاع متسلسل وكأنها شاشة، وهذه الصفحة لم تستمر طويلاً، لأن جرأتها كانت أكبر مما تتحمله الكويت.

وكان أبومرزوق حريصاً على تشجيع العنصر النسائي الكويتي، فسلّم بداية المبدعة ضياء العوضي مسؤولية ترجمة البلوك غير السياسي في الصفحة الأولى إلى رسمة أرفقت معه، لكنها غادرت بعد ذلك لظروف خاصة، وحلّ محلها الرسام البغلي. 

كما شجع الرسامة سارة النومس على نشر رسوماتها في صفحة المقالات، وقد استمرت متنقلة بين مجالات الرسم والتقديم التلفزيوني وكتابة الرأي.

إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق مع جمعية الكاريكاتير في الكويت على نشر صفحة أسبوعية أو صفحتين يرسم فيها كل فنان موضوعاً بالشكل الذي كان يراه متوافقاً مع رؤيته النقدية.

back to top