«الجنايات» ترفض تسليم مقيم سبعيني للسلطات الفرنسية   

• المحكمة: اندثار الأدلة ومعالم الواقعة وغياب الشهود يفقدان المحاكمة الإنصاف
• في واقعة هجوم على مطعم في باريس نفذته جماعة أبونضال قبل 40 عاماً

نشر في 28-01-2026 | 19:26
آخر تحديث 28-01-2026 | 20:27
الصورة مُصممة بالذكاء الاصطناعي
الصورة مُصممة بالذكاء الاصطناعي

في حكم بارز بقضية تعود إلى أربعة عقود (عام 1982)، رفضت محكمة الجنايات برئاسة المستشار د. خالد العميرة اليوم، تسليم مطلوب من جنسية عربية مقيم في الكويت منذ مطلع التسعينيات يبلغ من العمر 73 عاماً، ومنتم إلى جماعة أبونضال من عام 1975 إلى 2005 للسلطات الفرنسية، وذلك على خلفية طلب تعاون قضائي دولي تقدمت به فرنسا يتعلق بوقائع قتل ومحاولة قتل في أحد أحياء العاصمة باريس.

وعزت المحكمة رفضها إلى أن ما قُدّم من مستندات تعود لتقارير استخباراتية مضى عليها زمن طويل وفقدان مقومات المحاكمة العادلة والمنصفة بعد أربعة عقود أدى إلى ضياع الأدلة واندثار معالم الوقائع وتعذر استدعاء الشهود، مما توفرت معه أسباب جدية للاعتقاد بأن طلب التسليم قد اتخذ وسيلة للملاحقة على أساس الرأي والانتماء، والتي رأت معه أن الطلب يكون غير قائم على أساس قانوني سليم.

وفيما يلي نسخة الحكم التي حصلت «الجريدة» على نسخة عنه:

إن الثابت من الأوراق أن النيابة العامة قد عرضت على المحكمة طلب تسليم المطلوب إلى السلطات القضائية بفرنسا، استناداً إلى مذكرة توقيف دولية ومذكرات توقيف أوروبية وملحقاتها، مؤسسة على وقائع يُدعى ارتكابها في مدينة باريس خلال عام 1982، والمتعلقة بأفعال قتل ومحاولة قتل في سياق وصف بأنه ذو طابع إرهابي، وقد أرفق بالطلب ملف مترجم رسمياً تضمن محاضر تحقيق، وأقوال شهود ومراسلات قضائية دولية، وتقارير ذات طابع استخباراتي، وقرارات لاحقة صادرة عن جهات التحقيق الفرنسية.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة وبالنظر الى طلبات التسليم لا يمتد إلى بحث موضوع الاتهام أو وزن أدلة الإدانة، إلا أنه يظل مقيداً على نحو لازم بوجوب التحقق من توافر الشروط التي رسمها القانون الوطني للتسليم، وفي مقدمتها عدم تعارضه مع النظام العام، وصون الحقوق الأساسية للمطلوب تسليمه، وضمان توافر مقومات المحاكمة العادلة، باعتبار أن هذه الضمانات تمثل حدوداً لا يجوز تجاوزها تحت ستار التعاون القضائي الدولي. 

وحيث إن المرسوم بقانون رقم 79 لسنة 2025 بشأن التعاون القضائي في المسائل الجزائية قد قرر في إطار تنظيمه لأحكام التسليم أن التسليم إجراء جوازي يخضع لتقدير القضاء، وأوجب الامتناع عنه متى تبين أن تنفيذه يفضي إلى الإخلال الجسيم بحقوق الدفاع، أو يتعارض مع النظام العام، أو يقوم على وقائع أو إجراءات لا تتوافر لها الضمانات الأساسية للمحاكمة المنصفة، بما مؤداه أن المشرع الوطني لم يجعل من التسليم التزاماً آلياً، وإنما ربطه برقابة قضائية صارمة تتصل بجوهر العدالة لا بمظهرها. 

وحيث يبين من مطالعة أوراق الطلب ومرفقاته أن الوقائع المسندة إلى المطلوب تسليمه ترجع إلى ما يزيد على أربعين عاماً، إذ وقعت بحسب ما استقر في جميع المستندات الفرنسية المرفقة خلال شهر أغسطس من عام 1982، في حين لم تفعّل إجراءات الملاحقة القضائية في مواجهته بصورة جدية ومباشرة إلا بعد مضيّ عقود طويلة، تخللتها فترات زمنية ممتدة من السكون الإجرائي، ولم تتخللها على النحو المستفاد من الملف إجراءات قضائية متصلة ومستمرة من شأنها الحفاظ على حيوية الدعوى أو صون أدلتها. 

وحيث إن المحكمة تستخلص من واقع ما قدّم من مستندات أن ملف الطلب قد بني في جوهره على إعادة تجميع لاحقة لوقائع تاريخية قديمة، استندت إلى أقوال شهود أدلي بها بعد مضي زمن طويل على الواقعة، وتقارير وتحريات ذات طبيعة استخباراتية، ومراسلات وإنابات قضائية متباعدة، دون أن يتوافر من خلالها إطار إجرائي متصل يتيح للمطلوب ممارسة حقه في الدفاع ممارسة فعّالة، أو مناقشة الأدلة مناقشة حقيقية، أو مواجهة الشهود على نحو يتفق ومقتضيات المحاكمة العادلة. 

وحيث إنه ولئن كانت مسألة تقادم الدعوى الجنائية من حيث الأصل، تخضع لقانون الدولة الطالبة، إلا أن المحكمة لا تغفل أن مضي هذا الزمن المفرط الذي جاوز أربعة عقود يعد قرينة واقعية قوية على أن الدعوى، بصرف النظر عن توصيفها القانوني، قد فقدت مقومات المحاكمة المنصفة، إذ إن مرور الزمن على هذا النحو من شأنه بطبيعته أن يؤدي إلى ضياع الأدلة، واندثار معالم الوقائع، وتعذر استدعاء الشهود أو اختبار مصداقيتهم، وهو ما يفرغ حق الدفاع من مضمونه، ويجعل المحاكمة إن أجريت محاكمة شكلية لا تحقق الغاية التي ابتغاها المشرّع من إقرار العدالة الجنائية. 

وحيث لا يغير من ذلك ما ساقته الجهة الطالبة من قول بعدم تقادم الوقائع، إذ إن هذا القول بحسب ما تكشف عنه الأوراق لم يدعم بنص صریح قاطع الدلالة يقرر استثناء واضحاً من القواعد العامة، ذلك أن الأصل هو خضوع الجرائم لمبدأ التقادم، وأن الخروج على هذا الأصل لا يكون إلا بنص خاص جلي، وهو ما خلا منه ملف الطلب، فضلاً عن أن المحكمة لا تعوّل في هذا المقام على التكييف المجرد، بقدر ما تعوّل على الأثر العملي للزمن على سلامة الإجراءات وعدالتها.
ويضاف إلى ما تقدم أن إعادة إحياء الملاحقة بعد هذا الأمد الزمني الطويل، وفي غياب أدلة قطعية ومباشرة على مشاركة المطلوب في الأفعال المنسوبة إليه، من شأنه أن ينبئ في نظر المحكمة عن أن الملاحقة لا تستهدف في حقيقتها فعلاً جنائياً محدد الأركان بقدر ما تتصل بمواقف أو آراء سياسية سابقة نسبت إليه في سياق تاريخي مضطرب، الأمر الذي تتوافر معه أسباب جدية للاعتقاد بأن طلب التسليم قد اتخذ وسيلة للملاحقة على أساس الرأي أو الانتماء، وهو ما حظره المشرّع صراحة وأوجب الامتناع عن التسليم في حال قيامه. 

وحيث إنه يضاف إلى ذلك أن الثابت من الأوراق أن المطلوب يقيم بدولة الكويت إقامة طبيعية ومستقرة منذ التسعينيات دون أن يثبت في حقه خلال تلك المدة ما يفيد تهربه من العدالة أو تعمده الإفلات من الملاحقة، الأمر الذي يعزز قناعة المحكمة بأن إعادة فتح ملاحقة عن وقائع سحيقة القدم، في هذا التوقيت، لا تستقيم مع اعتبارات التناسب والإنصاف التي أوجب المرسوم بقانون رقم 79 لسنة 2025 مراعاتها عند نظر طلبات التسليم. 

وحيث إن المحكمة، وقد وازنت بين مقتضيات التعاون القضائي الدولي التي لا تنكرها وبين واجبها الأصيل في حماية النظام العام وضمانات العدالة التي لا يجوز التفريط فيها، تخلص إلى أن تنفيذ طلب التسليم في ظل هذه الملابسات، وما يكتنفها من إخلال جسيم بحق الدفاع، ومن شبهة الملاحقة على أساس الرأي ومن اعتماد على وقائع فقدت حيويتها الإجرائية بفعل مرور الزمن من شأنه أن يصادم أحكام المرسوم بقانون رقم 79 لسنة 2025، ويقع في تعارض بيّن مع المبادئ المستقرة للمحاكمة العادلة.
وحيث إنه متى كان ذلك، فإن طلب التسليم يكون غير قائم على أساس قانوني سليم، ويتعين رفضه، ولهذه الأسباب حكمت المحكمة حضورياً برفض طلب تسليم المطلوب إلى السطات القضائية الفرنسية.

back to top