تقرير اقتصادي: أميركا تتخلى عن حلفائها... ونحن منشغلون بالهوامش

• مصلحة الكويت في تطوير مجلس التعاون وزيادة شبكة المصالح في الإقليم
• قيمة المشاريع الكبرى المحلية في تحقيق حماية أمنية وسياسية مستدامة
• على مؤسسات الدولة تكريس أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لمواجهة التحديات المستجدة

نشر في 29-01-2026
آخر تحديث 28-01-2026 | 21:11
محمد البغلي
محمد البغلي
عبّر إعلان استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية الدفاعية التي نشرتها «البنتاغون» مطلع الأسبوع الجاري عن تحوّلات جذرية في آليات تعامل أهم دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مع حلفائها أو منافسيها وتقليص دورها في حماية الدول التي طالما ارتبطت معها باتفاقيات حماية عسكرية.
وهذه الاستراتيجية الجديدة للدفاع، مكونة من 33 صفحة تحدثت عن تحولات أساسية في دور أميركا عالمياً، كدعوتها إلى كبح توسُّع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتحميل أوروبا مسؤولية الدفاع عن أمنها، وغيّرت النظرة إلى الصين من خطر وجودي إلى منافس اقتصادي استراتيجي، كما تخلت أميركا عن مسؤوليتها التاريخية في الدفاع عن تايوان، لتحملها لقوى إقليمية هي اليابان وكوريا الجنوبية. 

سيّد لا شرطي
 كذلك أعادت الوثيقة تعريف الدور الأميركي من «شرطي العالم» إلى «سيد النصف الغربي من الكرة الأرضية»، ونقلت تركيزها من الساحة العالمية إلى الجوار الإقليمي، ووضعت سياسات الحد من الهجرة الجماعية وحماية الحدود على رأس أولوياتها.
ما يهمنا بشكل مباشر هو ما تحدثت عنه الوثيقة بشأن الشرق الأوسط، حيث دعت الحلفاء إلى حماية أنفسهم، وأن الدعم من الولايات المتحدة شيء وتحمُّل عبء الحماية شيء آخر، وأن المنطقة لم تعد مصدر تهديد للمصالح الأميركية، بل تحولت بالنسبة لها إلى وجهة استثمار وتجارة وشراكة.

نحتاج إلى استثمار حقيقي في مجالات الأبحاث مع حرية النقد والتقييم بهدف تقديم صورة مهنية لمتخذي القرار

ضريبة الترامبية 
هذه التحولات في السياسة الأميركية تأتي في وقت يدفع العالم ضريبة «الترامبية» من تداعيات الحرب التجارية والرسوم الجمركية إلى فتح جبهة مع حليف أساسي كالاتحاد الأوروبي يخفف من خلالها دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، ويطالب بضم غرينلاند قسراً من الدنمارك، وصولاً إلى الاعتداء العلني على ثروات الدول وسيادتها، كما حدث في فنزويلا، أو أوكرانيا، وأخيراً انسحاب الولايات المتحدة من العديد من المنظمات الدولية كمظمة الصحة العالمية.

إقليم ملتهب 
وتشهد منطقة الشرق الأوسط وتحديداً إقليم شبه الجزيرة العربية ومحيطها، أيضاً، توترات ملتهبة كالاعتداءات الصهيونية في فلسطين المحتلة أو تطورات الأحداث الأمنية في سورية والسودان واليمن، علاوة على تعزيز الانقسامات في الصومال، فضلاً عن التهديدات الأميركية المتصاعدة بتوجيه ضربات ضد إيران قد تفضي إلى سقوط نظامها وما ينعكس من خلاله من تعقيدات للمشهد الجيوسياسي في المنطقة.
كل هذه التحديات تأتي مع تصاعد وتيرة المصاعب التي تواجه مجلس التعاون الخليجي، لا سيما من جهة تنامي الخلافات بين بعض أعضائه، وهو اتجاه يعاكس الطريق الصحيح المطلوب في توحيد السياسات والجهود لمواجهة تطورات العالم والإقليم.

ماذا عن الكويت؟
بالنسبة للكويت، فإن فكرة أن تتخلى الولايات المتحدة عن دورها المعتاد في حماية حلفائها، وهي التي قادت قبل 35 عاماً تحالفاً دولياً لتحرير الكويت من الغزو العراقي، لا شك في أنها تمثّل تحدياً كبيراً لأمن البلاد وسيادتها واستدامة مواردها، مما يستدعي من مؤسسات الدولة أن تكرّس كل أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لمواجهة هذا التحدي في منطقة اختلفت أوضاعها وتحدياتها وسياساتها عمّا كانت عليه عام 1991.
فربما ما تحتاجه الكويت التي تقع بين 3 دول إقليمية كبرى، اثنتان منها خارج المنظومة الخليجية، أن تتجه إلى محيطها القريب، وتعمل على إطلاق مبادرة لإصلاح أو تطوير مجلس التعاون الخليجي، ليتحول إلى منظمة وحدوية اقتصادية كحال الاتحاد الأوروبي أو مجموعة «بريكس»، بحيث تكون هذه المنطقة بالتوازي مع الدول المحيطة فيها جغرافياً كإيران والعراق والأردن واليمن لديها مشروعها الاقتصادي الذي يجعلها جزءاً من مصالح وشراكات العالم في مجالات التجارة والطاقة واللوجستيات بما يعوّض أو ينوّع من مخاطر التحولات الحادة للقوة العظمى الرئيسية في العالم مع تقلبات السياسة الترامبية.

خيارات الدول الصغيرة في ظل الحالة الترامبية الصعبة تظل محدودة... لكن هذا لا يعني الاستسلام للأسوأ

أبحاث وإنفاق
 الكويت ومعها دول التعاون الأخرى بحاجة إلى إنفاق واستثمار حقيقي في مجالات الأبحاث والدراسات الأكاديمية والمستقلة التي يتاح لها حرية الوصف والنقد والتقييم بهدف تقديم صورة مهنية وشفافة لمتخذي القرار، كما يجب أن تعيد النظر في إنفاقها المالي ومراجعة مدى واقعية مشاريعها وانعكاساتها على معالجة اختلالاتها الاقتصادية، خصوصاً أن تخلّي الولايات المتحدة الأميركية عن دورها الصريح في حماية حلفائها يتزامن مع تعهدات ترامب بخفض سعر النفط إلى 50 دولاراً للبرميل، وهو ما يضيف التحديات الاقتصادية إلى الأعباء السياسية والأمنية في المنطقة.

فرصة متاحة 
لا شك في أن خيارات الدول الصغيرة في ظل التحولات العالمية والحالة الترامبية الصعبة التي تواجه العالم تظل محدودة، لكن هذا لا يعني الانكفاء على النفس والاستسلام للأسوأ، فلا يزال لدينا في الكويت الفرصة إقليمياً لإصلاح منظومة مجلس التعاون وتطويرها، فعلى الرغم من خلافات دوله، فإن العلاقات الدبلوماسية لا تزال مستمرة بمستواها المرتفع والعمليات التجارية ونقل البضائع وانسيابية الحدود لم تتأثر سلباً بالتالي، ففرص إصلاح المنظومة الخليجية في جعلها ذات أولويات اقتصادية متاحة، حتى ولو واجهت بعض الصعوبات. 

رغم خلافات «الخليج» فإن العلاقات الدبلوماسية مستمرة والعمليات التجارية وانسيابية الحدود لم تتأثر سلباً

كفاءة لا بناء 
محلياً، لدى الكويت فرص متعددة في أن تكون من ضمن منطقة تشابك مصالح إقليمية أو دولية، من خلال مشاريعها الكبرى كميناء مبارك الكبير أو المنطقة الاقتصادية الشمالية، بشرط أن تكون فلسفة هذه المشاريع ليست في مجرد البناء والتنفيذ، بل بكفاءة التشغيل وآثاره وعوائده الاقتصادية والتنموية ومدى أثره في تحقيق حماية أمنية وسياسية للبلاد من خلال شبكة مصالح مستدامة.

مواجهة واعتراف 
والخيارات الاقتصادية الاستراتيجية للكويت عديدة ومتاحة، لكن العلّة ليست هنا، بل بإدارة تنفيذية عامة تعكسها السياسات الحكومية المنشغلة بكل ما هو غير أساسي أو هامشي... فلا يمكن مواجهة أي تحديات من دون الاعتراف بمخاطرها وحتمية التعامل معها؛ وهو ما يتطلب قبل كل شيء جدية واضحة وملموسة في الأولويات التي تتعامل معها السلطة التنفيذية.

back to top