الصّين... الدَّولة الموجـودة في كـل شـيءٍ حوالينا
في حياتنا اليومية نتلفت يميناً وشمالاً فنجد الصِّين صارت تفصيلاً موجوداً في جوانبنا، وفي كل ما حوالينا، وهذا الأمر لم يعد شعاراً سياسياً يقرأ في نشـرات السِّياسة الدُّولية، ولا خبراً اقتصادياً منشوراً في صفحات الاقتصاد، فالطُّوب الصِّيني يبني جدران منازلنا، والبلاط يزينها، والأدوات الكهربائية والمنزلية والملابس، وحتى شواحن الهواتف، كلها تحمل بصماتها، ووحيِّ صناعاتها، فأصبحت تتواجد أمامنا في البيوت، والشوارع، وفي الورش والمصانع، بل وفي مختلف تفاصيل الحياة، ليبرز المُنتج الصيني بوصفه القاسم المشترك الأكبر بين فقراء العالم وأغنيائه، وهذه وحدها تعدُّ رسالة الصِّين ورؤيتها نحو العالم.
ولكن اللافت ليس «كثرة الوجود» فقط، بل هدوؤه وانسيابه وانسياقه، فالصين لا تدخل بلداننا بخطاباتٍ جماهيرية، ولا بضجيجٍ أيديولوجي، ولا بشعاراتٍ حقوقية، ولا يهمها شكل الحكم وطبيعته، إنما تدخل بالسعر المنخفض، وبالوفرة السَّهلة، وبالقُدرة على الوصول، لتبيعنا كل ما نحتاجه من سلعٍ وموادٍ تؤدي الغرض، لنعيش حياتنا باستقرارٍ وهناء، وبالذات في الدول ذات الاقتصادات الضعيفة والمنخفضة، والتي لا مجال لديها ولا تحتمل عنصـري الماركة الجذَّابة والرَّفاهية الباذخة.
ففي اليمن - مثلاً - والتي تُعاني انهيارٍا اقتصاديا، لم يعد السُّؤال عن الماركة بقدر ما هو عن القُدرة على التَّواجد والاستمرار! وهنا وجدت السِّلع الصِّينية بيئةً خصبةً ومثاليةً، فقدمتها بأسعارٍ مُنخفضةٍ تُناسب دخولاً مُنهكةً ومُستنزفة، وسوقاً كبيراً يحتاج للوفرة في العرض وسط شُحُّ البدائل، وقدرةً على سدِّ فجواتٍ تركتها الدَّولة الغائبة وقطاعها الاقتصادي المُنهار، وبالتَّالي فالأرقام والمؤشـرات توضح حصول الصِّين عام 2024م على المركز الأول من بين شُـركاء اليمن في الواردات، وبنسبةٍ تتجاوز الـ (47%)، وبقيمة تصل إلى (3.77) مليارات دولار - بحسب تقرير شـركة بيانات التجارة (GTDService) لذات العام، الأمر الذي جعل هذه التَّركيبة من الواردات تُظهر علاقةً اقتصاديةً تكاملية أكثر من كونها فقط تبادلية، فاليمن يعتمد فعلياً على المنتجات الصينية لتلبية الجزء الأكبر من احتياجات المستهلكين وقطاع الأعمال.
وفي واقعٍ كهذا، لم تعد الصين مجرد شـريكٍ تجاري، بل تحوَّلت إلى بديلٍ وظيفي، فحين تغيب الكهرباء تحضـر المولدات، والألواح الشمسية، والأدوات الكهربائية الصينية المُتنوِّعة والمُتعدِّدة، وحين تعجز السوق المحلية عن الإنتاج للضـروريات قبل الكماليات، يملأ الاستيراد منها الفراغ، وهذا الدَّور بحدِّ ذاته يُعيد تشكيل الاقتصادات المحلية، فبدلاً من التَّوجه غرباً، هاهو الشرق يفتح ذراعيه، لتأخذ ما تشاء وقتما تشاء، وعلى عكس الدُّول الغربية التي دخلت منطقتنا العربية عبر السياسة، أو الحرب، أو الإغاثة المشروطة، فالصِّين تعتبر النُّفوذ الحقيقي يبدأ من الحاجات الأساسية، من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الاعتماد، ولطالما شكَّل بُعداً مهماً في هيكل الاقتصاد اليمني، في ظل محدودية الإنتاج المحلي، وضُعف البُنية الصناعية، وفي هذا المضمار، فالصين ليست فقط «مصنع العالم»، بل منتجٌ عالمي يتعامل مع شرائح السِّلع كافة، مما يجعلها مصدراً متكاملاً يمكنه إمداد الأسواق بكل ما تحتاجه من منتجاتٍ جاهزة، كما أن أسعارها تكون أدنى من مثيلاتها، وهو ما يتناسب مع القُدرة الشرائية المنخفضة للمستهلك اليمني.
ولذا، فالصِّين ليست مجرد موردٍ للمنتجات، بل أصبحت جزءاً من نسيج الحياة الاقتصادية اليومية في مختلف دولنا العربية، وعلى رأسها اليمن.
* صحافي يمني