عنوان
المشهد اللغوي في هونغ كونغ
زرتُ آسيا أخيراً، وكانت هونغ كونغ أول مدينة اكتشفها من الداخل، لا بعين السائحة فقط، بل من خلال صديقة هونغ كونغية قررت أن ترينا مدينتها كما يعيشها أهلها.
لم تأخذنا إلى الأماكن المعتادة، بل إلى ما تسمّيه hidden gems، مقاهٍ صغيرة في أزقّة ضيقة، مطاعم عائلية لا تحمل لافتات لامعة، وأماكن لا يصل إليها إلا من يعرف المدينة حقاً.
منذ الأيام الأولى، بدأت ألاحظ أن اللغة الإنكليزية ليست مجرّد لغة سياح أو زائرين، بل لغة يومية حاضرة في تفاصيل الحياة. في المقاهي، في المتاجر، وفي الأحاديث العابرة بين الأصدقاء، كانت الإنكليزية تتقدم المشهد، أحياناً حتى على حساب اللغة المحلية. كثيرون بدوا أكثر راحة في التعبير بالإنكليزية، حتى بين أبناء المدينة أنفسهم. حتى في عاداتهم، فالبعض لم يكن معتاداً على استخدام أعواد الطعام، مفضلاً الشوكة والسكين. كانت تفاصيل صغيرة، لكنها كشفت لي حجم التأثير الغربي على اللغة والعادات معاً.
هونغ كونغ لا تبدو مدينة فقدت هويتها بقدر ما تبدو مدينة تعيش هوية هجينة، تفاوض يومي بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي، بين ما يُورَّث وما يُكتَسب. تجربة جعلتني أعيد التفكير في معنى الانتماء، وفي الدور الذي تؤديه اللغة بوصفها أكثر من أداة تواصل، بل بوصفها مرآة للتاريخ والسلطة والاختيار.
أكثر اللحظات إنسانية في الرحلة كانت عند لقائي بوالدة صديقتنا. بعد أن أنهيت ماراثون هونغ كونغ، استقبلتني بعناية وطيبة لافتة، طعام دافئ، كلمات بسيطة، واهتمام صامت يشبه اهتمام الأمهات في كل مكان.
وفي مقال قادم، سأنتقل للحديث عن تجربة مختلفة في ڤيتنام، حيث للغة والثقافة قصة أخرى تستحق أن تُروى.