أول ظهور «المثقف» في المجتمع العربي (2 - 2)
كان النصف الثاني من العصر الأموي فترة انقسام حاد ولم يكن المتكلمون من العلماء يشكلون حزباً سياسياً أو أحزاباً، يقول د. الجابري: «فالأحزاب السياسية في ذلك الوقت ثلاث لا غير: حزب بني أمية الحاكمين، وحزب الخوارج المعارضين الثائرين، وحزب الشيعة الذين كانوا يخلدون إلى السكينة تارة، ويخرجون على الحكام تارة أخرى. أما هؤلاء المثقفون فلم يكونوا مناصرين لأي حزب من هذه الأحزاب، بل كانوا معارضين لها، لا بوصفهم حزباً، بل كأفراد، كمتكلمين... لقد كان كل واحد منهم صاحب رأي ومقالة، بعضهم كان يذهب مع المتكلم العقلاني المتسامح الذي يجعل آراءه تبدو وكأنها متحررة أكثر من اللازم، وبعضهم يقف بآرائه عند حدود معينة، فتبدو آراؤه في ثوب محافظ».
وللجابري تقييم عام للمتكلمين مثقفي ذلك العصر، فيقول: «أما تصنيفهم إلى أهل الحديث وأصحاب الرأي فهو تصنيف حديث تم في عصور تالية، ويجب أن يؤخذ بمرونة كبيرة. ذلك لأن الواحد منهم قد يفضل الحديث في مجال الفقه، ولكنه يعتمد الرأي في مجال آخر، ومن بينهم من فضل أن يكون له في كل مقام مقال». (ص61)
ويحذر د. الجابري من اعتبار حملة هذه الآراء والاجتهادات «فرقاً»، ويقول إن هذا النوع من التصنيف مصطنع تماماً في حقهم، وقد روج له المؤلفون في الملل والنحل والمقالات والفرق «حديثاً موضوعاً»، ينص على أن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، «فكان على كل مؤلف أن يوزع المتكلمين إلى هذا العدد من الفرق، يفرق خصوم المذهب الذي ينتمي إليه، ويضفي الوحدة على فرقته ليجعلها الفرقة الناجية، وهكذا لم يكن مثلاً الأشخاص رؤساء فرق، بل كانوا أصحاب آراء تختلف في أمور وتلتقي في أمور، وقد يكون لبعضهم مؤيدون وقد لا يكون. وكانوا كثيراً ما يلتمسون في آراء بعضهم بالقضايا المختلفة مخرجاً. وإذا كان المثقفون في أوروبا خلال العصر الوسيط قد اقترن ظهورهم بنشأة المدن وتأسيس الجامعات والاحتكاك بالثقافة العربية الإسلامية، فإن هذا الجيل الأول من المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية قد ارتبط بظهور الخلاف وتحوله إلى فتنة عملية وفكرية. جاء خطابهم خطاباً إسلامياً محضاً تكلم في قضايا إسلامية محضة، مثل قضية الإيمان والكفر، وقضية مرتكب الكبيرة، وقضية الخير والاختيار، وقضية العلم الإلهي وخلق القرآن».
ولكن محور كل هذا ظلت قضية الإمامة التي شغلت المجتمع والأمة، ولا مجال للتوسع في تفاصيلها بهذا المقال.
ومن الاختيارات ذات الدلالة بالنسبة للجيل الأول من «المثقفين العرب المسلمين»، في رأي د. الجابري، «مناداتهم بحرية الإنسان وحقه في الاختيار وتحمله مسؤولية أعماله».
وفي هذا الصدد يذكر ابن قتيبة أن معبد الجهني وعطاء بن يسار دخلا على الحسن البصري وقالا: «يا أبا سعيد: هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجري أعمالنا على قدر الله تعالى؟» (بمعنى أن ما يقومون به إرادة الله) فأجاب الحسن: «كذب أعداء الله» (ص 68).
ونفى بعضهم «أن الله يجبر الناس على أفعالهم» كما كان بعض الأمويين يرى. وبالعكس كان معبد الجهني، المتوفى عام 699 - 80 هجرية، أول من اشتهر بين المسلمين بنفي القدر (في هذا المجال)، وانضم إليه نفر من الناس. (الموسوعة العربية الميسرة). وأثيرت في هذه المرحلة قضية لا مجال لبحث تفاصيلها حقاً، وهي القضية المعروفة بـ «خلق القرآن».
وإذا تقبلنا هذا التحليل التاريخي حول بداية ظهور «المثقفين» مع القرن الهجري الأول في المجتمع الإسلامي فقد نسير مع تطور الأحداث جيلاً بعد جيل، واهتمام كل جيل من المثقفين بمشاكل وأحداث ومستجدات زمانه إلى اليوم!
يقول د. الجابري في نهاية البحث: «مجال للقول إن موضوع (المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية) واسع، وواسع جداً».
نعود مع المقال القادم إلى هموم المثقف المعاصر في العالم العربي.