وقت الدخول المناسب لشراء الأسهم المرتفعة... خرافة أم حقيقة؟
عندما تتجه أسواق الأسهم العالمية نحو الصعود - وتُسجّل المؤشرات الرئيسية مستويات قياسية جديدة - يبرز سؤال يُقلق المستثمرين المبتدئين وذوي الخبرة على حد سواء وهو: هل هذا هو الوقت المناسب للاستثمار؟
ظاهرياً، يبدو السوق الصاعد فرصة مغرية، فالأسعار ترتفع، وثقة المستثمرين قوية، والأداء يبدو جذاباً، لكنّ عقوداً من الأبحاث المالية والبيانات التاريخية لأسعار الأسهم وآراء الخبراء ترسم صورة أكثر تعقيداً.
والمفارقة التي يكتشفها كثير من المستثمرين مع مرور الوقت هي: أن فكرة «التوقيت المثالي» للدخول إلى سوق الأسهم أو الخروج منه ليست مجرد فكرة صعبة التطبيق... بل من الممكن أن تكون خاطئة في الأساس.
هذه الفكرة ليست مجرد رأي شخصي أو تكهنات إعلامية، بل تعكسها آراء وتجارب كبار المفكرين والمستثمرين عبر تاريخ الأسواق المالية، على رأسهم رائد الاستثمار القيمي بنجامين غراهام الذي روج لهذا في كتابه الكلاسيكي «المستثمر الذكي».
وفي هذا الكتاب يؤسس غراهام لفكرة أن السوق يتأرجح بين العقلانية والعاطفة، وأن المستثمر الحكيم لا ينبغي أن يتصرّف بناء على تحركات الأسعار اليومية بقدر ما يعتمد على تقييمات أساسية للأعمال نفسها.
المستثمر الأسطوري وارن بافيت، المتأثر بشكل مباشر بتعاليم غراهام، يكرر هذا المعنى في نصيحته الشهيرة للمستثمرين: «الأسهم ليست لعبة لتوقع القمم والقيعان، بل للالتزام بالصبر والمثابرة».
كما يرى الاقتصادي بيرتون مالكيل، أن حركة الأسعار على المدى القصير تُشبه «المشي العشوائي»، ما يعني عملياً أن التوقعات الدقيقة لتحركات قصيرة الأجل للأسعار غير ممكنة بشكل منهجي، ما يجعل التنبؤ بوقت الدخول المثالي ضرباً من الخيال في كثير من الأحيان.
في حين يعزز الباحثون في هذا المجال فكرة أن إغلاق المستثمرين عيونهم عن تذبذبات السوق القصيرة الأجل وتبني استراتيجيات طويلة المدى غالباً ما يحقق نتائج أفضل من مطاردة لحظة الدخول.
أحد أقوى الأسباب التي تجعل دخول المستثمر إلى السوق أثناء ارتفاعه قراراً منطقياً هو أن الأسواق تميل إلى الارتفاع على المدى الطويل.
ووفقاً لبيانات يارديني ريسيرش، بلغ متوسط العائد التراكمي لعشرة أسواق صاعدة منذ عام 1957 نحو 184%، واستمرت هذه الفترات في المتوسط حوالي 1.964 يوماً، أي ما يقرب من 5.4 سنوات.
وهذا يعني أن الأسواق الصاعدة عادةً ما توفر فرصاً طويلة الأجل للمستثمرين، تتجاوز مجرد المكاسب قصيرة الأجل أو الارتفاعات اللحظية في الأسعار.
ومن اللافت أيضاً أن مؤشر S&P 500 عادةً ما يواصل الارتفاع حتى بعد تسجيل مستويات قياسية جديدة، وغالباً ما تمتد الأسواق الصاعدة لسنوات، لا لأسابيع أو أشهر فقط.
لذلك، الدخول إلى السوق أثناء اتجاه صاعد قد يمنح المستثمر القدرة على الاستفادة من المكاسب المستمرة على المدى الطويل.
أما فيما يتعلق بالاتجاهات الحديثة، فحتى نهاية عام 2025 ومع التوقعات الممتدة إلى 2026، لا تزال التقديرات إيجابية تجاه الأسهم في الأسواق العالمية.
فعلى مستوى الأسهم الأميركية، أنهى مؤشر إس آند بي 500 عام 2025 عند مستويات عالية بعد أداء قوي، في حين يتوقع عدد من المؤسسات ارتفاعه أكثر خلال 2026.
على سبيل المثال، تتوقع مورغان ستانلي أن يصل مؤشر إس آند بي 500 إلى حوالي 7800 نقطة بنهاية 2026 - بزيادة تقارب 16% عن مستوياته في نهاية 2025 - مدعوماً بنمو الأرباح وزيادة الإنفاق في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه التقديرات استمرار مسار صعودي بدأ فعلياً في عام 2022، مما يؤكد أن الأسواق الصاعدة غالباً ما تمتد فترات طويلة، ولا تقتصر على موجات قصيرة أو متقلبة.
رغم استمرار الأسواق في الصعود، يظل تحديد اللحظة المثالية للدخول أو الخروج من السوق أحد أكثر الأخطاء شيوعاً بين المستثمرين، وغالباً ما تكون نتائج هذه المحاولات سلبية على المدى الطويل.
وتشير الدراسات إلى أن محاولة اقتناص أفضل نقطة دخول نادراً ما تحسن العوائد الإجمالية.
وبحسب تحليل من نورديا لمؤشر إم إس سي آي وورلد «وهو مؤشر عالمي واسع يمثل الأسهم في الأسواق المتقدمة»، إذا فات المستثمر أفضل 10 أيام سوق فقط منذ عام 2000 حتى 2021، فإن العائد المتراكِم كان سينخفض من حوالي 165% إلى حوالي 41%.
هذا المثال يبرز حقيقة مهمة، وهي أن تفويت أفضل أيام السوق - حتى القليل منها - يمكن أن يقلّص بشكل كبير قيمة الاستثمار عبر الزمن، حتى في المؤشرات العالمية واسعة النطاق.
ولهذا السبب، يؤكد مستثمرون بارزون مثل وارن بافيت أن الخطر الحقيقي ليس في الدخول أثناء السوق الصاعد، بل في البقاء خارج السوق.
ويوضح بافيت مراراً أن قوة العوائد على المدى الطويل تنبع من التراكم المستمر والاستثمار طويل الأجل، وليس من محاولة صيد القمم والقيعان.
بناءً على ذلك، تحظى استراتيجيات مثل الشراء والاحتفاظ بدعم واسع في الأدبيات المالية، حيث تتيح للمستثمر الاستفادة من الاتجاه العام الصاعد للأسواق دون الانشغال بتقلبات قصيرة الأجل أو أحداث لحظية قد تضلل القرارات.
رغم قوة الأسواق الصاعدة، فإنها لا تخلو من المخاطر، خصوصاً عندما ترتفع التقييمات أو يتركز الصعود في قطاعات محددة.
ففي بعض الفترات، تكون مكاسب السوق مدفوعة بعدد محدود من الشركات الكبرى، كما حدث مؤخراً مع شركات التكنولوجيا العملاقة المعروفة باسم «السبع العظام».
ويرى محللون ونقاد أن ارتفاع التقييمات في هذه الشريحة الضيقة قد يعكس سلوكاً مضاربياً يشبه ما حدث خلال فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات.
وعلى الرغم من أن التقييمات المرتفعة لا تعني بالضرورة حدوث انهيار وشيك، فإنها تزيد من احتمالات التقلبات الحادة والتصحيحات السعرية، خاصة إذا خيّبت الأرباح المستقبلية التوقعات أو تغيرت الظروف الاقتصادية.
وتؤدي التطورات الاقتصادية العالمية وقرارات البنوك المركزية والتوترات الجيوسياسية دوراً محورياً في تحديد اتجاه الأسواق.
وحتى في الأسواق الصاعدة، يمكن لصدمات غير متوقعة مثل رفع أسعار الفائدة أو تباطؤ اقتصادي أن تعكس الاتجاه بسرعة، وهو ما يحث المستثمرين على توخي الحذر.
لذلك، يُنصح ببناء مراكز استثمارية مدروسة واستراتيجيات محكمة بدلاً من الانجراف وراء الزخم اللحظي أو القرارات العاطفية.
وتصبح الإجابة عن سؤال ما إذا كان السوق الصاعد يشكل توقيتاً مناسباً للاستثمار، تعتمد بشكل أساسي على أفق المستثمر الزمني وقدرته على تحمل المخاطر واستراتيجيته الاستثمارية.
وبالنسبة للمستثمر طويل الأجل، تشير التجارب التاريخية إلى أن الدخول أثناء الصعود غالباً ما يكون منطقياً، إذ تميل الأسواق إلى تحقيق مكاسب قوية على مدى سنوات.
في المقابل، قد تحمل الأسواق الصاعدة للمستثمر قصير الأجل أو المضارب مخاطر أعلى بسبب التقييمات المرتفعة وتقلبات السوق، أما محاولة توقيت السوق بدقة، فنادراً ما تحقق النتائج المرجوة مقارنة بالالتزام باستراتيجية طويلة الأجل قائمة على التنويع والانضباط.
باختصار، لا يعني ارتفاع الأسواق بالضرورة أن الوقت متأخر للدخول، لكنه يتطلب وعياً بالمخاطر، وتقييماً عقلانياً للتوقعات، واستراتيجية واضحة تتماشى مع الأهداف المالية للمستثمر.
فالاستثمار الناجح يعتمد على فهم الاتجاهات الكبرى، والصبر، والانضباط أكثر من محاولة تحديد اللحظة المثالية للدخول أو الخروج.