وجهة وطن: البصمة الرابعة قادمة!

نشر في 26-01-2026
آخر تحديث 25-01-2026 | 19:49
 محمد البغلي

يبدو أن العقلية التي تقود مجلس الخدمة المدنية تميل إلى الحلول الهامشية أو المسكنات لا مواجهة المشكلة من أساسها. فالتعديلات التي اعتمدها المجلس الأسبوع الماضي وأعلنها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء شريدة المعوشرجي بشأن تعزيز الكفاءة والإنتاجية وربط المزايا الوظيفية بما تشمله من بدلات وعلاوات ومكافآت بالأداء الفعلي للموظف هو امتداد للعقلية التي استحدثت البصمة الثالثة أو بصمة التواجد للموظفين لتحقيق أهداف كالالتزام والانضباط في العمل والحضور والانصراف وفي كلتا الحالتين هدف مجلس الخدمة المدنية هو أعراض المرض لا أصله أو أساسه. 

لا أحد ضد وجود نظام لتقييم الموظفين يربط المكافأة بالعمل، ولا يوجد مَن يعترض على الانضباط والالتزام بساعات الدوام، غير أن الأزمة الحقيقية التي يتحاشى مجلس الخدمة المدنية وديوانه، بل ومجلس الوزراء، الحديث عنها أعمق وأكثر تعقيداً من حجب مكافأة أو فرض بصمة. لن يتحدث أحد في «الخدمة المدنية» عن اختلال سوق العمل الذي يمثل أكبر ضغط على كفاءة الجهاز التنفيذي للدولة، إذ يوظف 84 في المئة من العمالة الوطنية، وربما هي النسبة الأعلى عالمياً، دون قدرة على خلق فرص عمل في القطاع الخاص، لا من خلال توطين الوظائف والمناصب ولا عبر المشاريع المتوسطة والصغيرة، مما يعني هدر طاقة عشرات الآلاف من الشباب في البطالة المقنعة. ولن يفتح أحد ملف عقود المقاولين في الجهات الحكومية، لا سيما وزارتي الكهرباء والأشغال والقطاع النفطي، والتي شكلت بعد 20 عاماً من تطبيقها عاملاً سلبياً يحد من كفاءة وتطور ومهنية المهندسين الكويتيين وأصحاب الاختصاصات التطبيقية، وحوّلتهم إلى إداريين أو مشرفين لا يمارسون أعمالاً فنية أو مهنية. ويتجنب مجلس الخدمة الخوض في مسألة الحكومة الموازية، أي حكومة الهيئات والأجهزة التي أُسست خلال آخر 20 عاماً، حيث إنها فرغت الوزارات من اختصاصاتها دون أن يحقق معظمها الأهداف التي أسست من أجلها هذه الهيئات لدرجة أن بعضها تحول إلى عبء يزيد من ترهل القطاع الحكومي. 

مشكلة مجلس الخدمة المدنية وديوانه أن نظرتهما إلى تعزيز الكفاءة والإنتاجية تنطلق من معالجة أعراض المرض لا أسبابه، فبدلاً من وجود خطة واضحة لخلق فرص عمل متنامية في القطاع الخاص، وتعزيز كفاءة العمالة الوطنية في القطاعات الفنية، وتقليص الشحم المتزايد من الهيئات والأجهزة الحكومية غير الفاعلة... يتم التوجه إلى إجراءات أشبه بالمسكنات كخفض بعض المميزات المالية الوظيفية، أو تقليص أعداد «الوكلاء المساعدين» في الوزارات، وهو إجراء صحيح في مبدئه، ولكن انخفضت قيمته مع توسع قاعدة المديرين العامين. 

 الترهل في جهاز الدولة التنفيذي يحتاج إلى علاج جذري يرتبط بسوق العمل والهيكلة وتنمية المهارات المهنية وليس إجراءات ثانوية تستخدم المسكنات. والخوف أن ندمن هذه المسكنات حتى نصل يوماً إلى استحداث تطبيق البصمة الرابعة، وقد يكون اسمها بصمة تأكيد التواجد، بعد أن تبين عدم تحقيق البصمة الثالثة لأهدافها... وهذه الفرضية، رغم عدم منطقيتها، واردة عند من يعتاد معالجة العرض لا المرض.

back to top