فخ المرايا الرقمية... وسحر إليزا

نشر في 26-01-2026
آخر تحديث 25-01-2026 | 19:19
 إبراهيم حامد العاسمي

في ستينيات القرن الماضي، ومن قلب مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أطلق عالم الحاسوب جوزيف فايزنباوم برنامجاً أحدث ثورةً في فهمنا للعلاقة مع الآلة، وأطلق عليه اسم «إليزا» (ELIZA). لم يكن اختيار الاسم عشوائياً، بل كان مُستلهَماً من شخصية «إليزا دوليتل» في مسرحية «بيجماليون» لجورج برنارد شو، وهي فتاة فقيرة تبيع الزهور، وتتحدَّث بلغةٍ سوقية. راهن البروفسور هنري هيغينز، أستاذ علم الصوتيات، على تدريبها لتتحدَّث بطريقة الطبقة المخملية الراقية، لأداء دور دوقة في حفل. نجحت إليزا في محاكاة طريقة النطق والقواعد الشكلية، لكن من دون أن يتغيَّر أصلها أو وعيها الاجتماعي. وبالمثل، صمَّم فايزنباوم برنامجه ليقلِّد أسلوب معالجٍ نفسي يجيب عن أسئلة المستخدم بطريقةٍ تُوحي بالفهم، لكنه في الحقيقة كان يُعيد صياغة كلمات المستخدم نفسها من دون أن يمتلك البرنامج ذرةً من الوعي. ورغم بساطة هذه الحيلة اللغوية، صُدِم فايزنباوم حين رأى سكرتيرته الخاصة تطلب منه مغادرة الغرفة لتتحدَّث بخصوصية تامة مع البرنامج، ظناً منها أن البرنامج يُصغي لآلامها ويفهم وجعها. 

من تلك اللحظة، وُلد مصطلح «تأثير إليزا»، وهو ذلك الفخ الإدراكي الذي يجعلنا نُسقِط صفات الوعي والنية والتعاطف على حفنة من الأكواد في البرامج والتطبيقات، لمجرَّد أنها تُتقن محاكاة القشرة الخارجية للغتنا البشرية.

اليوم، مع ظهور النماذج اللغوية الكبيرة، لم يتغيَّر «تأثير إليزا» في جوهره، لكنه ارتدى عباءة أكثر إقناعاً. والفرق بين «إليزا» القديمة وروبوتات المحادثة المعاصرة هو في الدرجة لا في المبدأ، فإذا كانت «إليزا» تخدع المستخدم لدقائق، فإن الأنظمة الحديثة للذكاء الاصطناعي تُتحفنا بطلاقةٍ لغوية مذهلة تجعلنا ننسى أنها ليست سوى «ببغاوات إحصائية»، كما تصفها الأبحاث اللغوية الحديثة، لأن هذه الأنظمة لا «تفهم» المعنى، بل تتنبَّأ بالكلمة التالية بناءً على احتمالات رياضية مستمدة من مليارات النصوص في بياناتها، تماماً كما يعرض جهاز صرَّاف البنك عبارة «شكراً لك»، فيظن البعض أن الجهاز «يظهر امتناناً»، فيما هو مجرَّد نصٍ مُبرمَج.

الخطر الحقيقي يكمن في «هشاشة التشكيك» لدى الإنسان، فنحن، بحُكم تطورنا البيولوجي، مبرمجون على البحث عن «القصد» والعقل البشري لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يميل تلقائياً إلى افتراض وجود فاعلٍ يقف خلفها، مَنْ فعل؟ ولماذا؟ لذلك، حين نواجه لغة منظمة، واستجابات متماسكة، ونبرة تبدو واعية، ينشط في أذهاننا تلقائياً نموذج «العقل الآخر»، فنُسقِط صفات الفهم والنية على ما نسمعه أو نقرأه. وهذا ما يجعلنا نقع ضحية «الانحياز للأتمتة» والتسليم لها، حين نمنح الآلة ثقةً عمياء تفوق ثقتنا في عقولنا. وعندما يتحدَّث الذكاء الاصطناعي بنبرةٍ واثقة، فإننا نغلق نوافذ النقد، ونفتح أبواب التسليم، ونتعامل مع مخرجات الآلة كحقيقة مطلقة، وليس كاقتراحٍ إحصائي رياضي قد يُخطئ.

الدرس الذي يجب أن نستوعبه اليوم، هو أن الذكاء الاصطناعي مرآة تعكس ذكاءنا نحن، وليست كياناً مستقلاً يُشاركنا الوعي. والمبالغة في «أنسنة» الآلة ليست مجرَّد خطأ تقني، بل هي تنازل طوعي عن فرادة العقل البشري الذي يتميَّز بالنية والوعي بالذات. 

وفي نهاية المطاف، يبقى الموقف العقلاني الصحيح هو الإعجاب بقدرة الأداة من دون تقديسها، والوعي بأن خلف تلك النصوص البليغة لا يوجد أحد، سوى صدى هائل لمليارات الكلمات التي كتبها البشر.

*كاتب سوري مقيم في كندا

back to top