ضجيج التفاهة
تذكّرك التقارير الحديثة بأن مهنتك التي عشقتها، أو ربما أدمنتَها، والتي دفعت أثماناً كبيرة لتبقى على هامشها إن لم تستطع أن تكون في قلب مشهدها، تقول هذه التقارير إنها في طريقها إلى الانقراض، على الأقل بصيغتها التي عرفناها. لا لأن العالم لم يعُد بحاجة إلى الصحافة، بل لأن الإعلام، عبر سنوات طويلة وفي محاولاته للبقاء وعدم الانقراض وسط أمواج كبيرة من عالم يتحول إلى التكنولوجيا الحديثة السريعة جداً، تحوّل المتلقي إلى وسائل التواصل ليتلقى الخبر أثناء وقوعه، لا لينتظر حتى موعد صدور الجريدة أو موعد نشرة الأخبار على محطتك المفضلة.
هنا يأتي الخبر سريعاً في بضع كلمات أو سطر، وبعدها تعود لما كنت أنت فيه من أعمال أو واجبات أو حتى لفضاءات واسعة لرجال ونساء برزوا فوق زبد وسائل التواصل بأسماء وتعريفات لينشروا أي شيء وكل شيء، وكثير منه لا يحمل سوى التسطيح والبلاهة.
لم تسقط الصحافة فقط بسبب سرعة تكنولوجيا التواصل على اختلافها، بل لأنها، ومعها الإعلام، تحولت إلى أدوات في يد مَن يملك أو يسيطر على صناعة أو صياغة أو تحديد ما هو الخبر وما هو التحقيق أو الاستقصاء. صحافة وإعلام مُعلّب، مكرر مثله مثل علب البسكويت أو الشوكولاته أو الشيبسي على أرفف السوبر ماركت عابر الحدود!
في زمن التفاهة، لم يعُد الجهل عائقاً أمام الشهرة، بل صار جسراً إليها. فجأة، ينتشر مَن يعلّمك ماذا تقرأ وكيف تقرأ، ومن ينصحك كيف تحافظ على صحتك، وكيف تُشفى من أمراضك، وكيف تعالج اكتئابك، وكيف تنقذ زواجك، وكل ذلك في دقائق معدودة، وكأن المعرفة، رغم أنها كثيراً لا تكون علمية، تُختزل في وصفات معلّبة تُبتلع على عجل. لا حاجة للكتب، ولا للتراكم، ولا للشك... كبسولة واحدة تكفي.
في مقطع مصوَّر، يقف أحدهم داخل مسجد الرفاعي بالقاهرة، ليُعلن لمتابعيه «خبراً جديداً» لم يعرفه العالم من قبل: شاه إيران مدفون هنا. يقولها أو تقولها بنبرة اكتشاف مذهل، وكأنها تصرخ «وجدتها»... وجدتها! وكأن كتب التاريخ، والباحثين، والأرشيف، لم يمرّوا من هنا قط!
وحين يصبح الجاهل صاحب منصة، ويُمنح أتباعاً أو «مريدين»، يتكفل هؤلاء بنشر المقطع، فتنتشر قلّة المعرفة، لا بوصفها خطأ عابراً، بل كحقيقة بديلة، مرفقة بثقة عالية وصوت جهوري وبعض من مساحيق التجميل حتى للرجال!
هكذا يُعاد تدوير الأخبار القديمة باعتبارها اكتشافات، وتُقدَّم التفاهة على أنها تبسيط، ويُسوَّق الجهل بوصفه قُرباً من الناس. مؤثّرون، مقدّمو بودكاست، وحوارات على «يوتيوب»، يعيشون على فتات اقتصاد هش، اقتصاد التفاهة. صناعة كاملة لا تنتج معرفة، بل تستهلك الانتباه، وتزرع مفردات جديدة، ومعايير هشّة، وتطبع العقول على الاستسهال. وقامت التكنولوجيا والتطور الحديث بفتح أبواب واسعة لكل «محظوظ» يحمل جهازاً ذكياً فقط لا غير. وسمحت وسائل التواصل الاجتماعي، عن قصد أو من دون قصد، لفِرَق كاملة، بل لجيوش من الحمقى أو ربما ليسوا جميعا كذلك، بل أنصاف متعلمين وباحثين عن الشهرة أو عن وظيفة، في وقت أصبحت البطالة أكثر انتشاراً من رغيف الخبز. يسترسل بعضهم في ثرثرة بلا توقُّف، وينشرون الأوهام، ويقدّمون المسكّنات بدل الفهم، وهي مسكنات تلائم إيقاع حياة سريعة، يجري فيها البشر خلف معرفة فورية، بلا صبر، ولا سياق، ولا مساءلة.
حتى الصحة لم تسلم، مرضك له حل سريع، ونفسيتك لها وصفة جاهزة، وأوجاعك تُختصر في فيديو مدته دقيقة.
هي أيضاً ثقافة الاستسهال والربح والشهرة السريعة. ولم يكتفوا بالدواء والغذاء وغيرها، بل ظهرت مهنة جديدة اخترعوها عبر وسائلهم السريعة، وهي «اللايف كوتش»، ليعلّمك كيف تعيش، وكيف تتعايش مع مشاكلك العائلية والنفسية والوظيفية واليومية، دون أن يسألك عن جذورها أو عن البنى التي صنعتها. نصائح عامة، لغة تحفيزية، ووعود فارغة، تباع بوصفها خلاصاً فردياً في عالم يرفض الاعتراف بمسؤولياته الجماعية. وبالطبع مع انتشار واسع لعلماء أو دارسي علم النفس على أيدي أساتذة ومعلمين بيض وكأن العالم بأكمله هو هُم!
لسنا أمام موجة عابرة، بل أمام مشهد كامل تُدار فيه حرب صامتة، حرب على المعنى، وعلى المعرفة، وعلى الحق في السؤال. حرب لا تُقصي العاقل فقط، بل تُشيطنه، وتُقدّم البلادة بوصفها خفّة، والتفاهة بوصفها قرباً من الناس. وربما هنا يكمن الخطر الحقيقي، حين يصبح الجهل ذا مكانة، ويُكافأ بالانتشار، ويتحوّل إلى سلطة ناعمة لا تحتاج إلى قمع، لأن الضجيج وحده كافٍ لإسكات كل ما عداه. بل عندما يحاول بعض العقلاء أو أصحاب المهنة الأصليين من الإعلاميين والصحافيين أن يمارسوا مهنتهم يكون مصيرهم كما الكلمة الصادقة، الزنازين أو المحاكم الصورية حتى تغلق كل الأبواب في وجه الخبر أو المعرفة الحقة في زمن التفاهة.
* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية