بيئة الأعمال أولاً
لم تعد قوة الاقتصادات الحديثة تُقاس بحجم احتياطياتها المالية وحده، بل بقدرتها على تحويل هذه الاحتياطيات إلى أدوات فاعلة تدعم نمواً مستداماً. فالاحتياطي المالي، على أهميته كأداة دفاعية لامتصاص الصدمات، كما شهدت الكويت خلال جائحة كورونا وفترات تراجع أسعار النفط، يظل محدود الأثر زمنياً، ولا يمكن التعويل عليه بوصفه بديلاً دائماً عن إصلاحات هيكلية تعزز قدرة الاقتصاد على التكيّف والاستمرارية.
وقد شرعت الكويت في اتخاذ خطوات عملية ملموسة لتحريك عجلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل، ضمن إطار رؤية الكويت 2035 «كويت جديدة»، التي تستهدف تنفيذ حزمة واسعة من المشاريع التنموية في مجالات البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والطاقة، بما يُفترض أن ينعكس أثره على تنشيط القطاعات غير النفطية وتحفيز النمو الاقتصادي.
غير أن نجاح هذه المشاريع لا ينفصل عن الحاجة إلى إصلاحات تنظيمية متوازية، تُشكّل القاعدة العملية لبيئة أعمال أكثر ديناميكية، وقادرة على تحويل الموارد المالية إلى محركات نمو فعلي. ويظل الاستقرار التشريعي، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عناصر حاسمة في هذا التحول.
ويبرز التحدي الأكبر عند النظر إلى هيكل الإيرادات العامة، حيث لا تزال الإيرادات النفطية تمثل النسبة الغالبة من الدخل الحكومي، فيما يبقى الإنفاق العام وثيق الارتباط بتقلبات الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل تعزيز المرونة الاقتصادية ضرورة لا خياراً، ويضع تحسين بيئة الأعمال في صدارة أدوات الإصلاح الاقتصادي.
فتحسين بيئة الأعمال يُعد العامل الأكثر تأثيراً في تحويل الموارد المالية إلى نشاط اقتصادي منتج، إذ يتشكل قرار المستثمر أساساً وفق سهولة الدخول إلى السوق، واستقرار الإطار التنظيمي، وكلفة الامتثال، وسرعة إنجاز المعاملات، قبل أي اعتبارات تحفيزية أخرى. فكلما طال المسار الإجرائي، وتعددت الجهات الرقابية، وتباينت التفسيرات التنظيمية، ارتفعت كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي وتراجعت جاذبية السوق، مهما توفرت السيولة أو بدت الفرص النظرية واسعة.
ومن هنا، يقتضي الإصلاح تبسيط منظومة الترخيص وتقليص مددها، وتوحيد المرجعيات الرقابية للأنشطة المتقاربة، وتعزيز اليقين التشريعي عبر استقرار القواعد المنظمة للاستثمار وتفعيل آليات فعالة لتسوية المنازعات. ويتكامل ذلك مع تطوير البنية الرقمية للإجراءات بوصفها إعادة هندسة شاملة تقلل الاحتكاك وترفع الشفافية، إلى جانب تمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى التمويل والأسواق، بما يحول الإصلاح التنظيمي من هدف مُعلن إلى أثر اقتصادي ملموس.
إن تحسين بيئة الأعمال ليس إجراءً تنظيمياً محدود الأثر، بل خيار اقتصادي استراتيجي، تتجلى نتائجه في زيادة الاستثمار غير النفطي، ورفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وبهذا المعنى، فإن الرهان الحقيقي في الكويت لا يكمن في حجم احتياطياتها المالية فحسب، بل في بناء بيئة أعمال قادرة على تحويل هذه الاحتياطيات من أداة حماية مؤقتة إلى قاعدة انطلاق لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
ومن هنا، يغدو من المنطقي التفكير في إعادة إحياء إطار مؤسسي جامع، سواء عبر «لجنة تحسين» أو «مجلس الوكلاء»، يضم - بصورة دورية وفعّالة- أصحاب القرار في الوزارات والجهات المعنية بالمشاريع التنموية، بما يضمن تنسيق السياسات، وتسريع اتخاذ القرار، وتحويل تحسين بيئة الأعمال من مبادرات متفرقة إلى مسار مؤسسي مستدام ينعكس مباشرة على كفاءة التنفيذ وأثره الاقتصادي.
* كاتب ومستشار قانوني