وجهة نظر: واقع ومستقبل الاكتتابات الأولية

نشر في 26-01-2026
آخر تحديث 25-01-2026 | 18:17
 حسان فوزي بيدس

لطالما شكَّلت الطروحات الأولية للأسهم (IPO) أحد أبرز المؤشرات على حيوية أسواق المال العالمية، ومرآة واضحة لثقة المستثمرين وتوقعاتهم لنمو الشركات. فانتقال الشركات من الملكية الخاصة إلى المساهمة العامة لا يقتصر على جمع التمويل اللازم للتوسع فحسب، بل يُفترض أن يُسهم في تعزيز السيولة، وتعميق الأسواق المالية، وجعلها أكثر جذباً لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. 

وخلال عامَي 2024 و2025، شهدت أسواق الطروحات العالمية تحوُّلات لافتة، حيث برزت مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمراكز نشطة للإدراجات، في وقت تستعد شركات تكنولوجية كُبرى في الولايات المتحدة وآسيا لدخول البورصات. إلا أن هذا النشاط يأتي ضمن بيئة اقتصادية معقدة، تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد التوترات التجارية، وحذر متصاعد لدى المستثمرين تجاه المخاطر.

ووفق تقارير عالمية، سجل النصف الأول من عام 2025 نحو 539 إدراجاً حول العالم، جمعت ما يقارب 61.9 مليار دولار، مع ارتفاع ملحوظ في حصة الصين، مقابل تراجع واضح في أوروبا. 

وفي المقابل، تشير بيانات بورصة لندن إلى أن قيمة الاكتتابات في الأسواق الكبرى تراجعت إلى نحو 44.3 مليار دولار عام 2025، وهو أدنى مستوى لها منذ تسع سنوات، نتيجة تقلبات الأسواق وارتفاع تكلفة التمويل، ما دفع العديد من الشركات إلى إلغاء أو تأجيل خطط الإدراج.

وتكمن إشكالية الطروحات الكبيرة في أنها قد تستقطب سيولة قوية في بدايتها، لكنها لا تضمن بالضرورة تدفقاً مستداماً في السوق الثانوية. فهبوط أسعار الأسهم بعد الإدراج غالباً ما يضعف ثقة المستثمرين، ويدفع بعضهم إلى سحب السيولة بدل إعادة ضخها.

وبعد الانكماش الحاد الذي أصاب سوق الطروحات خلال جائحة «كوفيد-19»، بدأت وتيرة الاكتتابات العالمية بالتعافي، ولكن بشكلٍ غير متوازن. فقد برزت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كإحدى أكثر المناطق نشاطاً، إذ شهد الربع الأخير من عام 2025 نحو 14 طرحاً جمعت قُرابة مليار دولار، بزيادة بلغت 100 في المئة مقارنة بالفترة السابقة، في قطاعات شملت: العقار، والرعاية الصحية، والخدمات المالية. كما سجل الربع الثالث من العام نفسه إدراج 11 شركة إضافية جمعت نحو 700 مليون دولار، ما يعكس تنامي شهية المستثمرين، وتوسع قاعدة الشركات المدرجة.

وفي آسيا، أسهمت موجة الإدراجات في دعم ارتفاع مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بأكثر من 21 في المئة خلال النصف الأول من عام 2025، مدفوعة بعودة الزخم إلى السوق، وتزايد الإقبال على الأسهم الجديدة.

وتُعد الطروحات العملاقة العامل الأكثر إثارة للجدل في هذا المشهد. ففي الولايات المتحدة، شهد اكتتاب شركة ميدلاين أكبر عملية جمع أموال عالمياً، بقيمة بلغت نحو 6.3 مليارات دولار. وفي آسيا، برز نشاط شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصينية، حيث جمعت عدة شركات نحو 900 مليون دولار، من بينها شركة بيرن تكنولوجي، التي قفز سعر سهمها بنحو 120 في المئة بعد الإدراج.

ويتوقع محللون أن يشهد عام 2026 طرح ما بين 200 و250 شركة عالمياً، مع إمكانية جمع ما يقارب 60 مليار دولار، تقودها شركات الذكاء الاصطناعي والفضاء، وهو ما قد يعزز جاذبية الأسواق، ويُعيد تدفقات رأسمالية كبيرة إلى البورصات العالمية.

وأشار التقرير إلى أن قطاع الصناعات شكَّل نحو 37 في المئة من إجمالي الاكتتابات في مجلس التعاون الخليجي، بقيمة تقارب مليارَي دولار، مدعوماً بأكبر طرح لأسهم «طيران ناس» بقيمة مليار دولار. كما حل القطاع العقاري ثانياً، من خلال سبعة اكتتابات بقيمة 1.2 مليار دولار، مشكلاً نحو 23 في المئة من إجمالي قيمة الطروحات، فيما استحوذ القطاع الصحي على 15 في المئة من قيمة الإصدارات عبر ثلاثة اكتتابات بلغت قيمتها نحو 500 مليون دولار.

ووفق التوقعات، فإن نشاط الاكتتابات مرشح لمزيد من النمو خلال الفترة المقبلة، مدفوعاً بتحسُّن المعنويات الاستثمارية، وعودة الزخم إلى الأسواق الناشئة، وترقب المستثمرين لفرص نوعية في قطاعات المستقبل.

back to top