عزيزتي «أوروبا» تجرّعي شيئاً قليلاً من الذل
الدول الأوروبية، والأشهر فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وبلجيكا وألمانيا، استعمرت بلاد إفريقيا والشرق الأقصى والأوسط، واستعبدت شعوبها وسرقت ثرواتها واستباحت خيراتها، فبدأت بتجارة الرقيق من إفريقيا ونقلتهم بأبشع الطرق كالحيوانات، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين استعمرت الشرق وإفريقيا واستباحت الثروات واستعبدتهم لدرجة قيام البلجيكيين بقتل الملايين في الكونغو بوحشية، لإجبارهم على استخراج المطاط والعمل القسري وترهيبهم وقطع أطرافهم.
ليست الأطراف فحسب بل وقطعوا رؤوسهم للتسلي بها، والتي ذكرناها في مقال كتبناه منذ اثنين وعشرين عاماً بعنوان «مع قُبلاتي من هانوي» عن جرائم الاستعمار الفرنسي البشع، التي نذكر الناس بها في كل مناسبة، عندما احتلوا فيتنام قبل مئة وستين عاماً، وكان الجنود الفرنسيون يكتبون رسائل حب لصديقاتهم وعليها جملة عنوان المقال ومعها صورة يحملون فيها رأس فيتنامي! لقد سرقوا المناجم واستعبدوا مزارعي الشاي والمطاط، وانتهكوا آدميتهم حتى تذبل أجسادهم ويموتوا فيدفنوا جثثهم تحت الأشجار كسماد للتربة. ففرنسا استعمرت الجزائر لأكثر من مئة وستين عاماً، واستخدمتها للتجارب النووية فدمرت البيئة والإنسان، واستخدمت السجناء كفئران تجارب قرب عمليات التفجير النووية، فقتلت فرنسا مليوناً ونصف المليون جزائري، ومارست ضدهم شذوذ التعذيب والحرق والتقطيع بوحشية، حتى تحررت الجزائر، لتصل الوقاحة إلى الرئيس الحالي الذي يرفض إرجاع جماجم الثوار الجزائريين التي لا تزال يُحتفظ بها في متحف الإنسان في باريس.
لا يقل بشاعة أيضاً ما قامت به ألمانيا في الحرب العالمية كتنكيلها بالشعب البولندي بوحشية وإبادة جماعية راح فيها أكثر من خمسة ملايين بولندي، فضلاً عن حرق ملايين اليهود، كما أبادت عشرات الآلاف بجنوب غرب إفريقيا من شعب ناميبيا، وكذلك الاستعمار الإيطالي الذي نكّل بالشعب الليبي والإثيوبي، واستخدم الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، أما جرائم الاستعمار البريطاني فتاريخه الطويل لا يمكن حصره، إضافة إلى تقطيع أوصال الشعوب وخلق مناطق نزاع أبدية، ومنها سايكس - بيكو، بالاتفاق مع الروس والفرنسيين والطليان لبتر أوصال الدولة العثمانية وتقاسم مناطق النفوذ، والجريمة الأكبر للإنكليز وعد بلفور وإنشاء وطن لليهود مازال يدمر العالم العربي.
فعلاوة على الاستعمار الثقافي الذي قامت به أوروبا، وقمع تغيير الديانات ومنها الإٍسلامية، ومحو الثقافات، وتسليط فكر الرجل الأبيض، كان الاستعمار الاقتصادي الذي لا يزال قائماً هو الأبشع حين نهبت الدول الأوروبية الثروات الطبيعية والغلة الزراعية والذهب والألماس واليورانيوم والنفط، وجعلت شعوبها حتى يومنا هذا تحت خط الفقر المدقع، كما أطاح الأوروبيون وبالأخص فرنسا بأكثر من عشرين رئيساً إفريقياً للسيطرة على الثروات.
وهنا لنتوقف قليلاً ليس للتشفي في أوروبا جراء ما فعلته بالعالم من استعمار وتنكيل بقدر ما يجعلنا نسخر منهم بالكيفية التي تهكم واستهزأ بها دونالد ترامب منهم، وهو يمن عليهم بما قدمته أميركا لهم في الحرب العالمية، ولولاها لكانوا الآن يتحدثون الألمانية، وأشار إلى فضل أميركا على اقتصادهم الذي لا يعمل، وكذلك كندا، وهددهم بحرب تجارية إن لم يذعنوا لأوامره بالاستيلاء على «غرينلاند» التي أخطأ في اسمها وسماها «آيسلند» ولم يتجرأ أحد على تصحيح خطئه.
فترامب لم يقتل ولم يعذب ويقطع أطراف ورؤوس الأوروبيين، ويستولي على ثرواتهم، بقدر ما أذلهم، لذا نقول لرؤساء الدول الأوروبية عليكم الإذعان لرجل أعمال لا يفقه شيئاً بالسياسة التي استخدمتموها للتنكيل بدول العام الثالث، والآن تجرعوا شيئاً قليلاً من الذل.
***
إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي.