اليمن... البلد الذي يعصده السياسيون ويعجنه المتدينون!
مَنْ يتابع حال اليمن هذه الأيام يُشاهد مأساةً وطامةً كبرى، تتمثل في دمار كل شيء، دمار في كيانه، يُوازيه دمار في قِيمه وأخلاقه، ويُواكبه دمار متعدد الألوان والأنواع لحق بنظامه الجمهوري، وبثورته، ووحدته، فخريطته تشتتت وتقسَّمت، وعلمه يُهان ويُداس من كل الأطراف، وشعبه يذوق كل مرارات الدنيا وجحيمها. وللأسف الشديد، كلهم ينبرون للتغني بأنهم يُدافعون عن حياضه، واستقلاله السياسـي، وسيادته الوطنية، بالقول والفعل والقرار، فيما الواقع، لم يعد يهمهم اليمن، لا من قريب، ولا من بعيد! فهم عرضوه في أسواق النخاسة والنجاسة لمَنْ يريد وصلاً بليلى، ليُصبح بحق بلداً تعصده السياسة، ويعجنه الدِّين!
فالسياسيون فيه لم يمارسوها بوصفها فن إدارة الاختلاف، بل بوصفها أداة اجتثاث، وكل دورة سياسية تبدأ بوعودٍ إصلاحية ونهضوية، وتنتهي بإقصاء ودمار وخراب، وكل سُلطة جديدة لا تبني على ما أنجزته من قبلها، بل تهدمه لتبدأ من الصفر، ثم تترك الصفر كما هو... وهكذا، يظل اليمن يحصد مرةً تلو أخرى، دماراً وأوجاعاً ودموعاً ودماء غزيرة! أما المتدينون، وما أكثرهم، فقد دخلوا المشهد السياسـي من باب الدِّين، ليس كقيمةٍ روحية جامعة، بل كعجين طيع في يد السياسيين، يمد ويشد وفق الحاجة، ويفتى به للحرب كما للسلم، ويُستدعى لتبرير الفشل، ويُستثمر لإسكات الأصوات المعارضة، فلم يعد الدِّين ملاذاً أخلاقياً، بل صار خطاب تعبئة، وأشد فتكاً من الرصاص.
والنتيجة أن الإنسان اليمني عالق بين منجل السياسة، وأيدي العجن الديني، فإن اعترض أحدٌ ما، قِيل له: هذا هو الواقع السياسـي، وإن تساءل، قِيل: هذا هو الحكم الشـرعي، فهل ستعترض على دين الله؟!
وبين الواقع والحكم، يضيع الإنسان، وتغيب الدولة، ويُختزل الوطن في شعارات متناقضة. وبالتالي، لم تعد السياسة تبحث عن حلولٍ مُرضية لشعبها، بل عن شـرعنة لبقائها وديمومتها. ولم يعد الدِّين يبحث عن الهداية لعبادة الله، بل عن حضور في الصـراع السياسـي، وحين يلتقي الاثنان، تكون الكارثة مركَّبة، سياسة بلا أخلاق، ودِين بلا روح، والواقع اليمني شاهد على هذه الثنائية القاتلة، فكل مشـروعٍ سياسـي استعان بالدِّين انتهى بالانقسام والتشـرذم، وكل خطاب ديني انحاز للسياسة فقد قُدرته على الصلاح والخير، ليعد المواطن البسيط هو الضحية الدائمة، فيطلب منه أن يموت صامتاً، أو يعيش مكسوراً، أو يهاجر بلا ضجيج، وإن هاجر، يتعرَّض لصنوف العذاب من تعامل سفارات بلاده بالدرجة الأولى، امتهان وارتهان وعذاب مركَّب، وطوابير طويلة وعريضة أمام هذه السفارات، وبيع وشـراء في الجوازات والمعاملات، واتجار بالبشـر وبالأخلاق وبالمواطنة السوية.
ولعل المفارقة الحسنة أن اليمن، في عُمقه الاجتماعي، بلد متدين بطبيعته، ومتسامح بتكوينه، لكنه ابتُلي بنُخب فاجرة حوَّلت الدِّين إلى أداة صـراع وتخوين وتكفير، والسياسة إلى مهنة للدمار والهدم والتفرقة، فصار البلد أشبه بعجين لا يخبز أبداً، بل يُعاد تشكيله كل مرة على نارٍ جديدة، وبأدوات وحجج جديدة أيضاً، والخلاص من ذلك يبدأ عندما تعود السياسة لكونها خدمة عامة، ويعود الدِّين لكونه قيمة أخلاقية تعزز القِيم الحميدة، لا أن يكون سُلطة موازية ولا وقود حرب، وحتى يحدث، سيظل اليمن بلداً تعصده السياسة، ويُعجن بالدِّين.