إسرائيل الكبرى بين الفناء والبقاء (2)

نشر في 25-01-2026
آخر تحديث 24-01-2026 | 17:34
 أ. د. فيصل الشريفي

الفصل الأخير، وعقب فشل المشروع الصهيو-أميركي في الحرب بالوكالة مع إيران في المنطقة، بعد رفض العرب الانخراط فيه، إدراكاً منهم لخطورة تداعياته على أمنهم واستقرارهم، ولعِلمهم أن «إيران الجديدة» ستُعيد تاريخ «شرطي الخليج»، وتتحوَّل إلى نظامٍ متعاون مع الصهاينة في تنفيذ مشروعهم التوسعي، عندما أدركت إسرائيل فشل ذلك المشروع، عملت على جر المنطقة إلى الهاوية، مستفيدةً من دعم الرئيس الأميركي، لذلك لم تتوانَ عن فتح أكثر من جبهة، في الشمال مع لبنان، وفي الجنوب شنَّت حرب إبادة على قطاع غزة، وفي الشرق استباحت سماء سورية، واحتلت جزءاً من أراضيها... كل هذا حدث بمباركة ودعم أميركي.

إلى حد ذلك، يبدو المشهد شبه كامل، فالعرب- إن صح التعبير- في حالة تردُّد، ومسألة القضاء على حزب الله وحركة حماس لا تشكِّل أولوية جامعة، وحتى سكوت الحكومة السورية عن الانتهاكات الإسرائيلية يبدو مفهوماً للبعض، فيما تظل إيران مكشوفة.

هذا الوضع المربح لم يكن لنتنياهو أن يتجاوزه، لذلك عمد إلى توجيه ضربة كان يطمح أن تقضي على النظام الإيراني، لكنه بعد ساعات أدرك فشلها، وأن طهران قادرة على رد الصاع صاعين. هنا كان لابد من تدخُّل البيت الأبيض، لتنفيذ ضربة على المفاعل النووي الإيراني، يتبعها إعلان وقف إطلاق النار.

إسرائيل باتت تُدرك أن مشروعها التوسعي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قيام دولة في إيران موالية لها، لذا حاولت إثارة الثورة من الداخل، حتى إنها عمدت إلى تلميع صورة رضا بهلوي، الذي أعلن في أكثر من مناسبة حُبه لإسرائيل، لكن يبدو أن تغيير النظام من الداخل صعب المنال، فالشعب الإيراني يعي حجم المؤامرة، وما قد تؤول إليه الأحداث من اقتتالٍ وحرب داخلية لا يعلم مداها إلا الله.

بالتالي، التغيير الذي تريده الصهيونية العالمية لن يتحقق ما لم تدخل واشنطن بكل ثقلها في حربٍ شاملة مع إيران، لذلك فإن اللوبي الصهيوني يعمل ليل نهار على دفع الرئيس ترامب لتوجيه ضربة واسعة تقضي على نظام المرشد الأعلى.

وقد كان مقرراً لهذه الحرب أن تندلع بالتزامن مع المظاهرات الأخيرة التي انطلقت في معظم المحافظات الإيرانية، إلا أن ترامب أمر بوقفها، زاعماً أن الإيرانيين قد أوقفوا الإعدامات بحق المتظاهرين، ثم صرَّح بعد ذلك بأنه ما زال يفكر في تنفيذها.

الحقيقة الجوهرية التي تغيب عن هذا الحساب، هي أن مشروع «إسرائيل الكبرى» مصيره الفشل، حتى لو نفذت الولايات المتحدة الضربة الواسعة المنشودة ضد إيران، فشعوب المنطقة من المحيط إلى الخليج، كما أن فكرة قيام حكومة إيرانية موالية لإسرائيل تظل من سابع المستحيلات، بسبب الجذور الثقافية والسياسية العميقة للنظام الإيراني، والقاعدة الشعبية الواسعة الرافضة للتطبيع.

في الختام:

الجغرافيا لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي والاجتماعي، وإذا كانت الحرب عند جارك، فاستعد لتبلل لحيتك، ومشروع إسرائيل الكبرى حاضر في أذهان الصهاينة، كما أن واشنطن لا تهمها الديموقراطية ما دامت حكومات الدول تأتمر بأمرها، وهي تسعى إلى إحكام قبضتها على منطقة الشرق الأوسط، والحرب إن حصلت، فهي لا تعدل شيئاً أمام ما سيحدث بعدها، سواء انتصر الأميركيون أم خسروا.

ودمتم سالمين

back to top