تحديات ما بعد الثورة السورية في بناء الديموقراطية بين الآليات المؤسسية الحديثة وقيم الشورى

نشر في 23-01-2026
آخر تحديث 22-01-2026 | 19:38
 د. محمد لطفـي

كيف نبني ديموقراطية حكيمة مكان نظام آل الأسد الطغاة؟ فالهدم قد يكون فعل لحظة، أما البناء فهو "شُغل أجيال".

إن تجربة المجتمعات ما بعد الثورات تؤكد أن الانتقال من نظام شمولي كنظام طغاة آل الأسد إلى نظام ديموقراطي ليس مساراً سهلاً، بل طريقاً وعرًا مليئًا بالألغام السياسية والاقتصادية والثقافية.

فبعد أن تهدأ هتافات الميادين، تبدأ معركة أشد تعقيداً، معركة بناء الدولة الديموقراطية ذات المرجعية القيمية، حيث تلتقي الآليات الحديثة بروح الشورى. لذلك سأحاول فيما يلي أن أوجز أبرز التحديات الجسيمة التي تواجه هذا التحول.

أولاً: عسكرة السياسة، إن أخطر ما يواجه أي مرحلة انتقالية هو شبكة المصالح المتجذرة في المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية، التي تشكلت في ظل النظام الأسدي القديم. هذه الشبكات لا تسقط بسقوط الحاكم، بل تعمل على إعادة إنتاج الاستبداد في صورة جديدة، مستغلةً الفوضى الاقتصادية أو الأمنية لتروّج لفكرة أن "الاستقرار في عهد الطغيان كان أفضل من حرية بلا نظام"، ومن هنا تنشأ معضلة إصلاح القطاع الأمني: كيف يمكن تحويل أجهزة اعتادت القمع إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتخضع للمساءلة المدنية؟ إنه شرط أساسي للديموقراطية، لكنّه يصطدم بمقاومة شرسة من داخل هذه الأجهزة نفسها. وفي كثير من التجارب، يتحول الجيش إلى اللاعب الأقوى في المشهد السياسي، فتُعسكر الحياة العامة، ويُهمَّش المدنيون، وتدخل الديموقراطية منذ بدايتها في نفق مظلم. ثانياً: الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي: فالديموقراطية تحتاج إلى حدٍّ أدنى من التوافق الوطني، بينما الثورات غالباً ما تفرز انقسامات حادة. 

فالقوى الثورية تتفق عادةً على ما ترفضه، لكنها تختلف بعمق حول ما تريده. يتحوّل هذا الخلاف إلى صراع بين تيارات مدنية وإسلامية وليبرالية، فتضيع فرصة بناء مشروع وطني جامع، ويحلّ الاستقطاب مكان الحوار. ومع ضعف الدولة، تطفو على السطح توترات الهوية، طائفية أو عرقية أو جهوية، وتتحول الانتخابات من منافسة برامج إلى معارك وجود، تهدد وحدة المجتمع قبل أن تهدد الديموقراطية نفسها.

أما الخطر الأكبر، فهو الانهيار الاقتصادي، ففي ظل البطالة وارتفاع الأسعار وتفشّي الفساد، تصبح الحرية رفاهية لا يتحملها المواطن المنهك. وحين يصرخ الجوع، يجد كثيرون أنفسهم مستعدين للتنازل عن الديموقراطية مقابل وعد بالاستقرار، ولو كان استقراراً قمعياً. ثالثاً: أزمة الوعي وبناء المؤسسات الديموقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة يومية. 

ثم تأتي معضلة بناء المؤسسات، قضاء مستقل، برلمان رقابي، إعلام حُر، إدارة شفافة... هذه ليست شعارات، بل هياكل معقّدة تحتاج إلى وقت وصبر وإرادة سياسية. 

غير أن المجتمعات الخارجة من الثورة تكون في الغالب مستعجلة النتائج، قليلة الصبر على البناء البطيء. وفوق ذلك كله، تتدخل القوى الإقليمية والدولية، كلٌّ وفق مصالحه، فتزيد المشهد تعقيداً، وتضعف استقلال القرار الوطني، وتحوّل الانتقال الديموقراطي إلى ساحة صراع بالوكالة. 

- خلاصة المشهد: كوميديا حزينة، فالانتقال الديموقراطي في مجتمعاتنا يشبه محاولة قيادة سيارة سباق لأول مرة، على طريق وعر، بفرامل معطوبة ركّبها مهندس فاسد، وركاب لم يتحرروا بعد من عقلية العبودية يصرخون في كل اتجاه، بينما محترفو التقويض يشوشون عمداً على كل محاولة للقيادة الرشيدة.

ومع ذلك، لا خيار سوى الاستمرار، فالنجاح هنا ليس حدثاً، بل عملية طويلة النَفَس، إصرار على البناء المؤسسي، وتغليب للمصلحة الوطنية على المصالح الفئوية، وتحمُّل لجرعات عالية من الصبر السياسي. يبقى لنا مناقشة مفهومين حاسمين في مرحلة البناء: "التحرر من الخوف من إرهاب النظام السابق"، و"التوقف عن التشكيك بالثورة السلمية الجديدة"، وكيف يمكن ترسيخهما كقيم مؤسسة للدولة الديموقراطية ذات المرجعية الأخلاقية، وسيكون ذلك في مقالة قادمة إن شاء الله.

back to top