وجهة نظر: «دافوس 2026» واقتصاد عدم اليقين: لماذا يعيد رأس المال العالمي تقييم المخاطر؟ وكيف يمكن أن يتوسع دور الكويت؟
هيمن على الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس بسويسرا هاجسٌ أساسي واحد: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة لم تعد فيها التقلبات السياسية، والاضطرابات التكنولوجية، والمخاطر الهيكلية عواملَ هامشية، بل أصبحت محدداتٍ مركزية في عملية اتخاذ القرار الاقتصادي.ورغم أن المنتدى لطالما عكس تياراتٍ جيوسياسية كامنة، فإن «دافوس 2026» تميّز بدرجة التأثير المباشر للتطورات السياسية في صياغة الحوار الاقتصادي، من التجارة والطاقة إلى تخصيص رأس المال والثقة بالمؤسسات. لم تعد النقاشات تدور حول توقعات النمو بقدر ما انصبت على إدارة المخاطر، والمرونة، والتموضع الاقتصادي داخل نظام عالمي يتجه نحو مزيد من التفكك.
ويحمل هذا التحول دلالات مهمة للاقتصادات التي تعطي الأولوية للاستقرار والمصداقية والاستمرارية طويلة الأمد. ومن بينها تبرز مكانة الكويت بوصفها حالة تستحق اهتماماً خاصاً.
الاحتكاك الجيوسياسي كمتغير اقتصادي
ركزت التغطية الإعلامية العالمية خلال «دافوس 2026» بكثافة على تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بتجديد دونالد ترامب تركيزه على استخدام النفوذ الاقتصادي كأداة من أدوات سياسة الدولة. فقد أثارت تصريحاته العلنية بشأن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في غرينلاند، وما رافقها من نقاش حول الرسوم الجمركية وضغوط التجارة، قلقاً واضحاً في العواصم الأوروبية، حيث دعا قادة إلى المزيد من الحزم والاستقلالية الاقتصادية.
ومن منظور اقتصادي، لا تكمن أهمية هذه التطورات في جدلها السياسي بقدر ما تكمن في تأثيرها على قابلية التنبؤ. فالأسواق وصنّاع السياسات يعملون بشكل متزايد على افتراض أن الوصول إلى التجارة، والرسوم الجمركية، والشراكات الاستراتيجية قد تكون عرضة لإعادة تفاوض مفاجئة. وقد انعكس ذلك في المنتدى من خلال الإشارات المتكررة إلى التخطيط للطوارئ، والتنويع، والاستراتيجيات الاقتصادية الدفاعية.
وكانت الرسالة الأوسع واضحة: لم يعد عدم اليقين الجيوسياسي صدمة خارجية للاقتصاد، بل أصبح مدخلاً هيكلياً فيه.
المخاطر العالمية وإعادة تسعير الاستقرار
يعزز هذا المنحى تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي قدّم التفكك الجيوسياسي، والتقلب الاقتصادي، والضغط على المؤسسات بوصفها مخاطر مترابطة لا تحديات منفصلة. وقد ترددت خلاصات التقرير في الاجتماعات المغلقة والندوات العامة على حد سواء، مؤكدةً تنامي إجماع على أن الاقتصاد العالمي يبتعد عن توازنٍ قائم على القواعد، متجهاً نحو بيئة أكثر تفاوضية وأكثر حساسية للمخاطر.
في مثل هذه الظروف، يتغير سلوك رأس المال. إذ يمنح المستثمرون وزناً أكبر للولايات القضائية التي تتمتع بمؤسسات راسخة، واستمرارية في السياسات، وانكشاف منخفض على التحولات السياسية المفاجئة. ولا يزال عامل النمو مهماً، لكنه لم يعد كافياً بمفرده. ويُعد هذا السياق حاسماً لفهم سبب تزايد الأهمية النسبية للاقتصادات التي تتسم بالقوة المالية والموثوقية المؤسسية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسؤال الإنتاجية
إلى جانب الجغرافيا السياسية، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أكثر النقاشات الاقتصادية جوهرية خلال المنتدى. وقد سلّطت التغطيات الضوء على مبادرات مؤسسة غيتس، ولا سيما استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية لمعالجة نقص القوى العاملة وتحسين كفاءة الأنظمة.
وأكدت الجلسات التي استضافتها المنصة العالمية للمنتدى ضرورة إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل عادل، مقدّمةً التكنولوجيا ليس بوصفها ابتكاراً فحسب، بل كبنية تحتية اقتصادية.
ومن زاوية اقتصادية، جرى تناول الذكاء الاصطناعي في دافوس بعيداً عن الطروحات التخمينية، بوصفه استجابةً لقيود هيكلية مثل شيخوخة السكان، ونقص العمالة، وارتفاع كلفة القطاع العام. وأشار التركيز على مكاسب الإنتاجية بدلاً من الاضطراب إلى تحوّل براغماتي في تقييم الاستثمارات التكنولوجية لدى الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
وبالنسبة لمديري تخصيص الأصول، عزز ذلك أهمية البيئات القادرة على تبنّي التقنيات الجديدة دون عدم استقرار تنظيمي أو احتكاك مؤسسي.
التحول الطاقي والتموضع الاقتصادي
عكست نقاشات الطاقة في دافوس 2026 حساباتٍ اقتصادية أكثر توازناً. فقد لفت الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الانتباه بطرحه استراتيجية مزدوجة توازن بين الهيدروكربونات والاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية. واعتُبرت ملاحظاته مثالاً على كيفية إعادة تموضع الدول المنتجة للطاقة داخل نظام عالمي يشهد تحولاً طاقياً.
وكان الدرس الاقتصادي عملياً لا أيديولوجياً: يجب أن يتعايش أمن الطاقة، والتخطيط للانتقال، والاستقرار المالي. فالتحولات المفاجئة تنطوي على مخاطر اقتصادية، بينما تحافظ الانتقالات المُدارة على ثقة المستثمرين.
ويجد هذا الإطار صدىً قوياً لدى اقتصادات الخليج، حيث يبقى التخطيط طويل الأمد والاحتياطيات المالية في صميم الاستراتيجية الاقتصادية.
التمويل الرقمي والثقة المؤسسية
شهد دافوس 2026 أيضاً اهتماماً متجدداً بالتمويل الرقمي والعملات المشفرة. واكتسبت النقاشات زخماً بعد تصريحات براين أرمسترونغ التي أشار فيها إلى تزايد القبول المؤسسي للأصول الرقمية في الولايات المتحدة. وبينما تفاوتت مستويات الحماس بين المناطق، فإن القضية الجوهرية لم تكن المضاربة، بل الوضوح التنظيمي والثقة.
وبالنسبة لصنّاع السياسات والمستثمرين على حد سواء، تمحور السؤال المركزي حول ما إذا كان بالإمكان دمج الابتكار المالي ضمن الأنظمة القائمة من دون تقويض الاستقرار. وقد جرى التأكيد مراراً في دافوس على أن الإجابة تعتمد على المصداقية المؤسسية أكثر من التطور التكنولوجي وحده.
ما الذي يشير إليه «دافوس 2026» بالنسبة للكويت؟
في ظل هذا المشهد العالمي، تكتسب المكانة الاقتصادية للكويت أهمية متجددة. فالكويت تجمع بين عدد من السمات التي تتقاطع بوضوح مع الأولويات التي عبّر عنها دافوس 2026: مالية سيادية قوية، وإدارة مالية محافظة، واستمرارية مؤسسية، ونهج تاريخي متدرج في الإصلاح الاقتصادي. والأهم أن الكويت تبقى مندمجة عالمياً من دون اعتماد مفرط على محور جيوسياسي أو اقتصادي واحد.
وفي بيئة بات فيها رأس المال أكثر حساسية للمخاطر السياسية وتقلب السياسات، تكتسب هذه الموازنة قيمة اقتصادية حقيقية.
الكويت كنقطة مرجعية للاستقرار
مع إعادة تقييم المستثمرين العالميين لمواضع توظيف رأس المال بثقة، تزداد جاذبية الولايات القضائية التي توفر قابلية التنبؤ بدلاً من تقلب الأداء. وتضع الأطر القانونية الكويتية، واحترام العقود، وعمق مؤسساتها البلاد في موقع مرجعي للاستقرار في مرحلة تتسم بعدم اليقين. ولا يعود ذلك إلى نشاطٍ استثنائي أو إعادة تموضع سريعة، بل إلى الاستمرارية، وهي سمة أبرزها «دافوس 2026» ضمنياً بوصفها مورداً يزداد ندرة.
سياق مجلس التعاون: اقتصاد المنصات لا الاصطفافات
ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي، تستفيد الكويت من الحجم الإقليمي مع الحفاظ على هويتها المؤسسية الخاصة. ومع تفكك الأنظمة العالمية، تزداد أهمية المناطق القادرة على تيسير التجارة وتدفقات رأس المال والحوار عبر الانقسامات السياسية.
وقد كشف المنتدى عن شهية متزايدة لمثل هذه المنصات. إذ عبّر صانعو السياسات والمستثمرون عن اهتمام ببيئات تظل فيها الشراكة الاقتصادية ممكنة حتى مع تعقّد الاصطفافات الجيوسياسية. وتنسجم الكويت ودول مجلس التعاون مع هذا النموذج عبر إتاحة الانخراط الاقتصادي من دون شروط سياسية صارمة.
نقطة تحول اقتصادية
سيُذكر «دافوس 2026» لا بسبب إعلانات كبرى، بل لواقعيته. فقد أقرّ القادة والمستثمرون العالميون، غالباً بشكل غير مباشر، بأن الافتراضات التي قامت عليها المنظومة الاقتصادية السابقة لم تعد صالحة بالكامل.
النظام الناشئ أكثر تفككاً، وأكثر تفاوضية، وأكثر حساسية للثقة المؤسسية. وفي مثل هذا العالم، تكتسب الدول التي توفر الاستقرار والحياد والمصداقية وزناً اقتصادياً يفوق حجمها.
وبالنسبة للكويت، ليست هذه مرحلة اضطراب، بل مرحلة تتقاطع فيها خصائصها الاقتصادية الراسخة مع ما يبحث عنه رأس المال العالمي على نحو متزايد. وقد جعل دافوس 2026 هذا التقاطع أوضح من أي وقت مضى. ولهذا تحديداً يكتسب هذا الدافوس أهميته ولماذا يستحق دور الكويت في المشهد الاقتصادي العالمي المتحوّل اهتماماً جاداً ومستداماً.
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.