بدون مجاملة: ماذا لو...؟
يميل كل البشر إلى التمنِّي، للحاضر والمستقبل، بل إلى تغيير الماضي. يتمنَّى الكبير والصغير، وقد يغوص الذهن في الأُمنيات، فينقطع عن الواقع، وحين يعود إليه يأسف ويتكدَّر.
تُنشَد الأشعار، وتُرَدَّد الحِكَم عن ترك التمنِّي، والمسارعة بالجد والعمل وتحقيق المطالب والأحلام، لكن كيف يتحرَّك الإنسان ويسعى إن لم يكن لديه أمنية؟ لِمَ، ومن أجل ماذا يجتهد ويُثابر ويتحمَّل إن لم تكن لديه أهداف؟ كيف يعمل لنَيل مبتغاه؟ لا بد له من إدراك ميوله، وما الذي يرجو أن يناله ويصل إليه، فيتخيَّل ويتأمَّل ويتمنَّى، ليحدد طريقه، ويجمع وسائله، ويضع خِططه، ويطوِّع إمكانياته، ويمضي في هذا الطريق صادقاً مستعيناً بالله، فيُنجِز، ويحقق الأُمنية.
الموازنات في أمر الأُمنيات ضرورة وواقع، مع ربطها بأن كل شيء ممكن! فما تتمناه اليوم قد يتحقق بعد زمن ليس حتماً في القريب العاجل، ربما في وقتٍ آجل. كُنَّا في يومٍ ما أطفالاً، لا نميز حرفاً واحداً، وكُنَّا وأصبحنا-بنعمة من الله- في مواقف مختلفة لم نحلم بها حتى.
بـ «لو» نجد أنفسنا في صراعٍ بين مطلب القلب والعقل، ونتوه فيما يتعلَّق بالمخاطر والمحاولة. هل ما نسعى إليه يستحق فعلاً؟ هل هذه مغامرة أم مجازفة؟ شجاعة أم تهور؟ هل هذا الهدف أولوية؟ أم تضييع للوقت والجهد؟ تستشير، فتجد مُشجعاً ومُثبطاً، داعماً ومستهزئاً، مُجامِلاً أو غيوراً! ثم نصطدم بواقع الدنيا، بأن كل ما فيها كد وكدح، وأبسط الخِطط تُريد الهمِّة، لا، بل حتى الهمة تحتاج إلى التجديد والإنعاش، وكل فصلٍ من الرحلة له تفاصيله.
وتأتي المكاشفات مع الذات، تستوقفنا- مراراً- لنفرِّق بين الخوف والمخاوف، الخوف الطبيعي الضروري لحفظ النَّفْس، والمحافظة على المصالح، والمخاوف غير الطبيعية القلقة المَرَضية التي تسلب النَّفْس الإقدام والتجربة والاكتساب، وتهدر الفرص والقدرات.
يخلط الناس بين «لو»، على اختلاف المواضع، ويحشرونها في خانةٍ واحدة، ويخشون أنها تفتح عمل الشيطان. «لو» ترادف «إذا»، وهي ليست للتمنِّى فقط، بل للتصوُّر أو رسم خطة أو وضع فرضية. وفيها نظرة للمستقبل البعيد والقريب، ويدخل فيها الخيال، ومنها نحدِّد الهدف، ونبدأ الخطوة الأولى.
«لو» المنهي عنها، هي التي ترحل إلى ما فات، وتنشغل بالماضي، فتتحسَّر على ما انقضى، وتقلِّب الأحزان، وتُعيد المشهد بغصّة، وتريد الرجوع بالزمن لتغيير المشهد، ففيها اعتراض على قضاء الله وقدره.
لنتمنَّى كل ما هو طيِّب، ونتوكل على الله ونُقبِل، ونؤمن بالخيرة ونصبر.