رفعت الأسد... رُفِعت الجلسة وإلى الحساب
ومات رفعت الأسد... ذلك الفرع الدنس من شجرة الزقوم التي مزقت سورية بجذورها الدموية وأشواكها المميتة، ولم تخرج لحاضرة الدنيا سوى طلع كأنه رؤوس الشياطين، حتى إن المتأمل ليحار أيهم يقدم وأيهم يؤخر في قائمة الخسة والخيانة والقسوة والتجبر والطغيان، المقبور حافظ الأسد أم ابنه الهارب المخلوع أم أخاه رفعت الذي غادر دنيانا أمس غير مأسوف عليه إلى سخط الله وعقابه نظير ما قتل وسفك وسلب واغتصب وأهان وحبس من أبناء شعبه الذي كان حرياً به حمايته.
على امتداد أكثر من أربعة عقود وتحديداً منذ مطلع الثمانينيات، ظل اسم رفعت الأسد كلما مرَّ بسمع السوريين فتح في قلوبهم جرحاً عميقاً لا يلتئم، كمرآةٍ تعكس قسوة الطغيان حين يتحول إلى آلة قتلٍ بلا ضمير، إذ لم يكن الرجل مجرد مسؤول عابر في سلطة مستبدة، بل كان قائداً لأدوات القمع، ومهندساً قذراً لمجازر تركت في الروح السورية ندوباً لا تمحى.
في عام 1980، وبإشرافه ومسؤوليته، أقدمت قوات سرايا الدفاع التي كان يقودها الطاغية المقبور على ارتكاب مجزرة بشعة بسجن تدمر ضد معتقلين عزل لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، معظمهم من عناصر الجماعات الإسلامية المعتقلة... وكنا نظن حينئذ - نحن السوريين - أنه ما من مأساة قادرة على أن تتخطى حدود تلك البشاعة، لكننا كنا واهمين، فقد تخطى شياطيننا ما لا يخطر على فكر أبالسة الجن من تعذيب وتنكيل بالشعب المستضعف، فبعدها بعامين، حاصرت قوات سرايا الدفاع حماة المنكوبة وضُربت من الجو والمدفعية، فسقط نحو أربعين ألف شهيد، معظمهم من المدنيين... بيوت سويت بالأرض، وعائلات مُسحت من سجلات الأحياء، وأصوات أطفال خُنقت تحت الركام، لم تكن تلك الأرقام مجرد إحصاءات، كانت أسماء ووجوهاً وأحلاماً وآمالاً قُتلت بدمٍ بارد لا يعرف ديناً ولا أخلاقاً ولا كرامة ولا إنسانية، في واحدة من أبشع صفحات القتل الجماعي في تاريخ سورية الحديث.
لم يكن يقبل اختلافاً ولا نقاشاً، وكان يكره كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، وفي شبابي شاهدت بعيني قوات المظليات التابعة لسرايا الدفاع تعيث فساداً، بعدما صدرت الأوامر إليهن من المقبور رفعت بنزع حجاب أي امرأة في دمشق عنوة وفي وضح النهار، في انتهاك سافر للحرمات والحريات والإنسانية، وعندما وصلت تلك المظليات إلى حي باب السريجة الدمشقي المحافظ، لتنفيذ هذه المهمة سارع وجهاء الحي إلى التوجه لشعبة حزب البعث الواقعة في وسط الحي، مطالبين بإبعادهن درءاً للاحتكاك وحفاظاً على السلم الأهلي، محذرين من احتمال اندلاع انتفاضة شعبية قد تعرض حياتهن للخطر، غير أن المظليات توجهن إلى قيادة سرايا الدفاع ورفعن شكوى بالحادثة، لترد القيادة بإرسال سيارات رباعية الدفع تابعة للشرطة العسكرية تقل عناصر مدججين بالسلاح، وفور وصول هذه القوة إلى مبنى الشعبة، باشرت بإطلاق النار مباشرة، ما أسفر عن مقتل أحد عناصر الشعبة، مأمون ضعون، المنحدر من مدينة السلمية... هذا لم أقرأه في جريدة أو مذكرات بل رأيته بعيني رأسي كيف يتم التعامل مع حريات الناس وكراماتهم.
وفي 1984 بعد صراعات داخلية وتوترات مع شقيقه الأسد الأب حول السلطة والنفوذ، حيث كان رفعت يسعى لتولي دور أكبر في الحكم، وبعد فشل محاولة انقلابية قام بها تجاه أخيه، تم إبعاده عن البلاد ونفي إلى فرنسا، حيث عاش هناك عدة عقود خلال فترة وجوده في المنفى، واجه خلالها ملاحقات قانونية تتعلق بجرائم حرب وفساد، ولكنه ظل محتفظاً بنفوذه في بعض الأوساط.
وها هو بعد نحو 9 عقود على ظهر الحياة، وكغيره من الجبابرة العتاة الذين لم يكونوا يضعون لهذا اليوم حساباً، رحل رفعت ذميماً مطارداً بلعنات اليتامى والثكالي والأرامل، ليجد في انتظاره عدل الله في ذلك اليوم الذي توضع فيه الموازين القسط فلا تظلم نفس شيئاً.