جيل Z والثورات... قيادة شبابية عربية تطمح إلى التغيير
لم يعد الحديث عن التغيير في العالم العربي حِكراً على النُّخب السياسية أو الأحزاب التقليدية. اليوم، يقف جيل Z في مقدمة المشهد، جيلٌ وُلد في قلب الأزمات، ونشأ في ظل التحوُّلات الرقمية، فامتلك أدوات لم تكن متاحة لمن سبقه، ورؤية مختلفة لمعنى السياسة والعدالة والكرامة. هذا الجيل لا يُشبه الأجيال السابقة في لغته، ولا في وسائله، ولا حتى في سقف طموحاته. هو جيل لا ينتظر الإذن، ولا يؤمن بالوصاية، ويرى أن الشرعية تُكتسب من الشارع والناس، لا من المناصب والخطابات الخشبية. لذلك، حين يتحرَّك، يفعل ذلك خارج القوالب القديمة، وبأساليب جديدة تُربك السُّلطات أكثر مما تواجهها مباشرة.
جيل Z العربي نشأ على الانكشاف الكامل: يشاهد العالم لحظةً بلحظة، يقارن، ويسأل، ويشكِّك. يرى كيف تُدار الدول، وكيف تُحترم الحقوق، وكيف يُحاسَب المسؤولون، ثم يعود لينظر إلى واقعه، فيصطدم بالفجوة. هذه الفجوة هي الوقود الحقيقي لغضبه، وليست الشعارات الأيديولوجية الكُبرى التي استهلكها السابقون. الثورات، في وعي هذا الجيل، لم تعد تعني فقط إسقاط أنظمة، بل تغيير نمط حياة: عدالة اجتماعية، فُرص عملٍ حقيقية، تعليم منتج، حُرية تعبير، وكرامة إنسانية. هو جيل لا يحلم بالسُّلطة بقدر ما يحلم بدولةٍ عادلة، ولا يرفع الشعارات بقدر ما يرفع أسئلة المستقبل.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مركزياً في تشكيل هذا الوعي. منصات، مثل TikTok، لم تكن مجرَّد أدوات ترفيه، بل تحوَّلت إلى ساحات تنظيم، وفضاءات كسر احتكار الرواية، ومنابر لتعرية الفساد وتبادل الخبرات الاحتجاجية بين شباب من دولٍ مختلفة. هنا، لم تعد الرقابة قادرة على إخفاء الحقيقة، ولم تعد الحدود قادرة على عزل التجارب.
لكن هذا الجيل يواجه تحديات قاسية. فغياب التنظيم التقليدي يمنحه مرونة، لكنه يحرمه أحياناً من الاستمرارية. والقمع الممنهج، وتفكيك المبادرات، وشيطنة أي حِراك شبابي، كلها عوامل تحاول كسر هذه الموجة قبل أن تتبلور. ومع ذلك، فإن ما يميِّز جيل Z هو عناده الهادئ: قد يتراجع خطوة، لكنه لا ينسى، ولا يعود إلى نقطة الصفر. الأهم أن هذا الجيل لا يكرر أخطاء الماضي بسهولة. هو أكثر حذراً من الشعارات الجوفاء، وأكثر وعياً بمخاطر الفوضى، وأكثر إدراكاً بأن التغيير الحقيقي طويل النفس، تراكمي، ويحتاج إلى بناء بدائل لا مجرَّد هدم القائم. جيل Z العربي لا يقدِّم نفسه كـ «منقذ»، بل كشريك في إعادة تعريف المستقبل. قد لا يقود ثورته اليوم بالشكل الكلاسيكي، لكنه يزرع أسئلتها في كل بيت، ويكسر مسلَّماتها في كل نقاش، ويُربك يقين الحكومات كلما حاولت الادعاء بأن الزمن توقف. التغيير قادم، ليس لأن هذا الجيل مثالي، بل لأنه لم يعد يقبل العيش بلا أفق. وهذا وحده كافٍ ليجعله أخطر على الجمود من أي ثورة عابرة.