وجهة وطن: معادلة البشر والحجر
يعتقد البعض أن التطور والتقدم في أي مجتمع أو دولة مرتبط بعدد من المرافق الحديثة الفارهة التي تخطف أبصار الزائرين ويكلف تشييدها مئات الملايين أو مليارات الدنانير أو الدولار دون قياس في الغالب للبعد التنموي على كفاءة ورفاهية ومستقبل الإنسان الذي يفترض أن تكون هذه المرافق المتقدمة أو الفارهة في خدمته وليس العكس.
هي معادلة البشر والحجر التي تجعل تقييم نجاح أي مرفق أو مبنى مرتبطاً بمدى انعكاس الإنفاق على التطور الفعلي في القطاع وتحقيق أبناء البلد إنجازات ونجاحات، فلا قيمة لبناء ملاعب رياضية حديثة أو استضافة فعاليات رياضية عالمية طالما كانت الكويت تسجل مراكز وتصنيفات دولية متدنية في معظم الألعاب الرياضية وعلى رأسها كرة القدم، ولا فائدة من وجود دار الأوبرا ومسارح جديدة إذا كان جل الإنتاج الفني في البلاد هو إعادة تكرار لأعمال فنية ومسرحية سابقة وناجحة دون قدرة على تقديم نماذج فنية ناجحة جديدة.
وكفاءة الجامعة والتعليم العالي كصروح علمية وأكاديمية لا تقاس بمبانٍ فارهة فندقية بل بجودة التعليم والبحث العلمي، وتوفر البيئة التي تدعم بناء شخصية الطالب واعتماده على نفسه وقدرته على التفاعل والتأثير في قضايا المجتمع.
وبناء الميناء الضخم والمطار الجديد والمدينة الاقتصادية الشمالية والجزر السياحية وغيرها من مشاريع البنى التحتية المليارية كلها ستتحول إلى أعباء معاكسة لغرض بنائها إذا لم يرتبط التشغيل بوجود بيئة أعمال متطورة تتيح توفير الفرص والأراضي والتمويل وجذب الاستثمارات والخبرات وتقليص البيروقراطية بعقلية تدعم الابتكار.
نادرة تلك المحطات التي جمعت بين اهتمام الدولة بالبشر والحجر معاً، أي بتنمية الإنسان وبناء المرافق العامة، فلم تكن خطة تنمية الكويت لعام 1952 هي خطة التنمية الوحيدة الناجحة في تاريخ البلاد، لأنها نجحت في نقل سكان البلاد من العاصمة إلى خارجها بمناطق ومدن جديدة، بل لأن بناء المرافق من مستشفيات ومدارس ومسارح وملاعب وطرق ومطار وموانئ وما لحقه تالياً من استقلال ودستور كان مواكباً لحركة تعليم وثقافة وفن ومسرح ورياضة وحراك أدبي ونقابي وسياسي ومؤسسات اقتصادية وخدمية ورغبة في استقطاب الكفاءات لا سيما العربية التي كان لها فضل كبير في تطور الكويت في شتى المجالات.
ليس جديداً القول بأن الكويت بريادتها وتفوقها بل وأيضاً بقوتها الناعمة كانت نتيجة استثمار الحجر لخدمة البشر، وعندما تخلت عن هذه الفرضية تدهور البشر والحجر معاً، واليوم مع ضخ مليارات الدنانير في بناء وتنفيذ وتشغيل العديد من المرافق والمنشآت علينا أن نضع أدوات قياس لمعرفة أثر وجودها، سواء كانت ثقافية أو رياضية أو اقتصادية أو أكاديمية أو خدمية على البشر وأثرها في تطويرهم وتحقيق نجاحاتهم.