مبنى السفارة البريطانية... 90 عاماً من الذكريات والأحداث التاريخية
• يختصر شواهد كثيرة... وينبض بعلاقات وطيدة بين الكويت والمملكة المتحدة
ذكريات وقصص تاريخية وعبق الماضي تفوح بين جدران مبنى السفارة البريطانية في الكويت، وأبوابه وغرفه، هو ليس مبنى دبلوماسياً عادياً يتولى مهامه الرسمية في تمثيل الدولة وتقديم الخدمات والحماية لرعاياه المقيمين أو المسافرين فحسب، بل كيان شاهد على عمق العلاقات البريطانية - الكويتية ويكشف عن قصة تاريخ طويل من الأسرار والكواليس تمتد إلى أكثر من 90 عاماً من القصص والشخصيات والأحداث منذ نشأته في عام 1930 وتعد أرضه الوحيدة التي تملكها بريطانيا حتى بعد الاستقلال، وذلك من بين السفارات لدى البلاد.
وإنشاء مبنى السفارة الذي يقع في منطقة دسمان بعاصمة الكويت ويطل على شارع الخليج العربي ومساحته أكثر من 12 ألف متر مربع له قصص تاريخية تختلف عن السفارات الأخرى، فهو أول بيت بالكويت تم بناؤه من الحديد المسلح والأسمنت، ويعد ثاني قصر بعد قصر السيف، كما أن المعتمد البريطاني المشهور هارولد ديكسون حين تسلم المنصب بالكويت طلب أن يكون له مكان كبير بحجم العلاقات الكويتية -البريطانية.
أما من صمّم هذا المبنى فهو المهندس روبرت بسل من حكومة الهند البريطانية بمساعدة ديكسون الذي طلب توجيه المبنى باتجاه البحر، حيث تشعر أن التصميم مزيج بين الإنكليزي والشرق أوسطي، تم بناؤه عام 1930 وسُكن عام 1935 فيما هياكل البيت من الحديد الاسكتلندي وطابوق الآجر من البصرة وكي لا يتآكل تم استخدام ماء عذب من شط العرب، كما تم استيراد خشب «ساي» من الهند لبناء الأسقف بينما اشترى ديكسون وزوجته فيوليت «أم سعود» الأثاث من إنكلترا.
صور حكام وملوكالمبنى تعرض أثناء الغزو العراقي للحصار وقُطعت عنه الكهرباء والطعام والمياه
ولدى دخولك البيت تشعر بالانبهار لوجود صور حكام وملوك وأمراء وشيوخ وشخصيات تاريخية على جدرانه، التي تفوح بعمق التاريخ وعبقه بالإضافة إلى تحف وقطع ثمينة، وأول ما يلفت انتباهك هو صندوق المبيت الذي يتم تخزين الملابس والذهب والمجوهرات الثمينة والمستندات بداخله، وهذا الصندوق كان الشيخ مبارك الكبير حاكم الكويت السابع عام 1904 قام بإهدائه إلى دار المعتمد البريطاني، كما أن هناك صندوقاً آخر أهداه الحاكم العاشر للكويت الشيخ أحمد الجابر إلى الكولونيل ديكسون عام 1935.
السفير رشيد: لكل شجرة في حديقة السفارة ذكريات تاريخية آخرها شجرة الزيتون للسفير الفلسطيني
أما الدور الأرضي في المبنى فخاص بالإدارة وسكرتارية السفارة فيما الطابق العلوي يسكن فيه السفير وعائلته وفيه جناح خاص لكبار الضيوف والغرف سُميت بأسماء جزر الكويت وتوجد غرفة الملكة إليزابيث.
كما أن الأميرة الراحلة ديانا عندما زارت الكويت عام 1989 مع الأمير تشارلز، حينها، طلبت بيانو للعزف وقت استراحتها أمام بحر الكويت، كذلك السجاد الإيراني الموجود به صناعة يدوية أهداه الشيخ مبارك الكبير إلى المعتمدية البريطانية.
قبر ديكسون
وفي هذا المبنى الشامخ يوجد قبر الكولونيل هارولد ريتشارد باتريك ديكسون القائم بأعمال بريطانيا بالكويت في القرن الماضي، بين عامي 1929 و1936، وبعد التقاعد استمر في العمل بالكويت في شركة نفط الكويت حتى وفاته عام 1959 عن عمر 87 عاماً ودفن في مقبرة بمدينة الأحمدي، وفي عام 1990 عندما فجّر صدام الآبار تأثرت القبور من تسرب النفط، فتم نقل رفاته من الأحمدي إلى السفارة البريطانية.
زوجة ديكسون «أم سعود»غرف المبنى سُميت بأسماء جزر الكويت... وجدرانه تزدان بصور أمراء وشخصيات تاريخية
أما عن زوجة ديكسون فيوليت، فقد عاشت ما يقارب 60 عاماً في الكويت، وأطلقت على ولدها اسم «سعود» وكان أهل الكويت ينادونها أم سعود، وطلبت بعد وفاتها أن تُدفن بالكويت، لكن أثناء الغزو كانت في بريطانيا وتوفيت ودفنت هناك، فقام السفير البريطاني بوضع شاهد تذكاري لها على قبر زوجها ديكسون.
ومن مشاهد عمق العلاقات بين الكويت وبريطانيا، أن السير مايكل السفير البريطاني سنة 1990 إبان الغزو العراقي للكويت رفض المغادرة واختار البقاء مع فريقه في السفارة لمدة 5 أشهر رغم أنها كانت محاصرة بالقوات العراقية وتم قطع التيار الكهربائي والماء عنهم وعاشوا على المعلبات.
تحت الحصار
السفير البريطاني الحالي قدسي رشيد يروي القصة التاريخية للحصار قائلاً: عندما دخلت قوات صدام عام 1990 إلى الكويت كان هذا المبنى محاصراً وأُغلِقت هذه الأسوار وقُطعت الكهرباء والطعام والمياه عمن بداخله، وكان السير مايكل ويستون السفير في ذلك الوقت بلا طعام ولا ماء للشرب، فكان لديهم بعض المعلبات لذا قاموا بتقنين الطعام المتوفر لديهم.
وتابع: أما الماء الوحيد لديهم للشرب فكان من حمّام السباحة، وبقوا هنا مدة أربعة أشهر واضطروا إلى الحفاظ على مياه حمّام السباحة الراكدة والتأكد من أن لديهم ما يكفي من الماء للشرب طوال الفترة التي قضوها هنا من هذا الحوض.
ذكريات الشجر
وأردف السفير رشيد أنه في عام 2011 وبعد مرور 50 عاماً على استقلال الكويت و20 عاماً على التحرير زار الأمير تشارلز ولي العهد وأمير ويلز، حينها، الكويت وأزال الستار عن هذه اللوحة التذكارية، وانغرست القصص في حديقة البيت على شكل أشجار.
واستطرد: في كل شجرة هناك ذكرى لزيارة، فهناك شجرة الأمير ويليام، والأمير إدوارد، وشجرة «المرأة الحديدية» رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، وغيرهم من الشخصيات، وآخرها كانت شجرة الزيتون للسفير الفلسطيني رامي طهبوب.
نشأة المبنى
وعن تاريخ نشأة المبنى، قال الباحث بالعلاقات الكويتية - البريطانية عيسى دشتي، إن هذا المبنى عمره حالياً يتجاوز الـ 90 عاماً، مشيراً إلى قصة إنشائه، إذ إن دار المعتمد البريطاني القديم الذي كان في منطقة الشرق صارت صغيرة وغير مؤهلة وتحتاج إلى الترميم فحاولوا منذ العشرينيات بناء مبنى جديد إلى أن جاء الكولونيل ديكسون واستطاع أن يقنع الحكومة البريطانية ببناء مبنى جديد، وأصبحت لديه مهمة اختيار المكان فشاهدوا عدداً من المباني الجاهزة إلا أن الحكومة البريطانية قررت بناء مبنى جديد وأن هذا سيكون أوفر لها.
دشتي: حكام عرب وأمراء كويتيون وبريطانيون ووزراء زاروا هذا المبنى التاريخي
وأفاد دشتي بأنه وقعت أعينهم على هذه الأرض، في دسمان، لعدة أسباب حيث إنها تمثل شرق مدينة الكويت على البحر وقريبة من قصر الحاكم وليست بعيدة جداً عن قصر السيف، موضحاً أن هذه الأرض بالأساس هي للشيخ مبارك الكبير أهداها إلى الشيخ خزعل بن جابر بن مرداو أمير المحمرة.
وتابع: كانت هذه الأرض إسطبلات أو أحواط فتواصلت الحكومة البريطانية أو الحكومة الهندية البريطانية مع ابنه شاسب أو كاسب وبكل حب أعطى هذه الأرض من غير تردد إلى حكومة الهند البريطانية، وتم بناء دار المعتمد البريطاني عليها وتحول اسمها إلى السفارة البريطانية، فأصبحت هذه الأرض ملك لها.
دشتي: ديكسون وزوجته فيوليت (أم سعود) اشتريا الأثاث من إنكلترا وسكنا به عام 1935
واستطرد: في عام 1930 بدأوا في التخطيط وفي 1933 بدأوا الحفر ووضع الأساسات وفي صيف 1934 كانوا يتسوقون في لندن ويشترون الأثاث وفي 5 فبراير 1935 سكنوا هذا المبنى رسمياً.
وبشأن بناء سوق شرق بجوار مبنى السفارة، قال عيسى دشتي إنه تم رفض ذلك لأسباب أمنية لتأمين السفارة من هذه الجهة.
شخصيات زارت المبنى
وبين أن من ضمن أهم الشخصيات التي زارت هذه السفارة هو الملك عبدالعزيز آل سعود، فخلال زيارته الكويت قام بزيارة الكولونيل ديكسون وأقام في هذا البيت، وكذلك جاك فيلبي وزوجته دورة فيلبي سكنا هنا في هذا البيت في سنة 1935.
وأشار إلى أن الشيخ أحمد الجابر زار هذا البيت عدة مرات وكذلك بقية حكام الكويت، كما زارته الملكة إليزابيث وجلست في حديقته واجتمعت هناك مع أطفال الجالية البريطانية في الكويت، وزار البيت كذلك الكثير من الشخصيات المرموقة ورجال الكويت.
وأردف: كما زاره صاحب السمو الملكي الأمير ويليام عندما كان دوق كامبريدج، وصاحب السمو الملكي الأمير إدوارد دوق إدنبرة، وصاحبة السمو الملكي الأميرة الملكية آن وأيضاً الأميرة الراحلة ديانا، والملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، والعديد من الشخصيات والقيادات البريطانية من رؤساء الوزراء، ومنهم مارغريت تاتشر وجون ميجر وتوني بلير، واللوردات والبارونات والوزراء.
سارية العلم البريطاني
قصة تاريخية ترتبط بسارية العلم البريطاني في سفارة المملكة المتحدة بالكويت، حيث إنها كانت موجودة في منطقة شرق مقابل دار المعتمد البريطاني وتم نقلها في ديسمبر 1934 وتم نصبها في مبنى السفارة.
وهذه السارية هي قلم أو دقل سفينة حربية بريطانية، والعادة أن السفن الحربية البريطانية بعد الانتهاء من استخدامها تخرج للتقاعد ويبيعونها خردة، ويأخذون دقل السفينة كتذكار ويهدونه إلى أحد المباني السياسية البريطانية، وفي عام 1904 أهدوه إلى الكويت كي ترفع عليه سارية العلم البريطاني.
وفي حين أن سارية العلم في كل السفارات تكون أعلى المبنى، إلا أنها في مبنى السفارة البريطانية بالبلاد مثبتة على الأرض في الحديقة، حيث إن الأرض مملوكة لبريطانيا.