المعجم الدلالي التاريخي للكلمات القرآنية
في حلقة لافتة من «بودكاست الشرق» نُشرت في مارس 2025، طرح رئيس الجامعة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا في غازي عنتاب، أستاذ علم التفسير، د. شيخموس دمير، رؤية تسعى إلى إعادة قراءة آيات القرآن الكريم عبر تحليل دقيق لدلالات الألفاظ في سياقاتها التاريخية واللغوية الأصلية، بما يتجاوز الفهم الاصطلاحي المتأخر، موضحاً أن هذه المقاربة تندرج ضمن «مشروع علمي ضخم» ذي طابع مؤسسي، يشارك فيه نحو أربعمئة باحث، ويهدف إلى تتبّع جذور الألفاظ القرآنية في اللغات السامية، كالعبرية والسريانية، وفي الشعر الجاهلي والنصوص العربية الموثوقة، مع دراسة أسباب النزول والتحولات الاجتماعية خلال القرون الخمسة الأولى للهجرة، وصولًا إلى فهم لغوي موضوعي يستند إلى أدوات العلوم الإنسانية، كاللسانيات والأنثروبولوجيا، ويعتمد تأويلًا مرنًا يحفظ قدسية النص القرآني ومقاصده.
وفي إطار تناوله لتحديات التفسير المعاصر، نبّه د. دمير إلى أن تراكم الاصطلاحات الشرعية في العصور اللاحقة أسهم في إعادة توجيه فهم بعض الألفاظ القرآنية بعيدًا عن دلالاتها الأصلية زمن التنزيل.
وأوضح، مستشهدًا بقوله تعالى ﴿وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، أن الخطاب القرآني لا يبرّر العدوان على أساس الاختلاف العقائدي، بل يربطه بالظلم بوصفه معيارًا أخلاقيًا عامًا، يشمل كل من اتّصف به، أيًا كان انتماؤه، بما يؤكد مركزية العدل والقسط في البنية القيمية للقرآن.
وانطلاقًا من أن الدلالة اللغوية ليست ثابتة عبر الزمن، عرض د. دمير أمثلة على التحوّل الدلالي، حيث انتقلت الزكاة من معنى النمو المادي إلى عبادة روحية، وتحوّلت التقوى من الوقاية الحسّية إلى الالتزام الأخلاقي، بينما تطوّر مفهوم الكفر من جحود النعمة إلى الإنكار العقدي، كما بيّن أن الترتيل في سورة المزمل كان يدل على التفكّر المتأني في الآيات، لا على الأداء الصوتي وحده.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين القرآن والعلم الحديث، أوضح د. دمير أن القرآن الكريم ليس كتابًا علميًا تجريبيًا بالمعنى المعاصر، بل مرجعية قيمية تؤسس لمنظومة شاملة للحياة.
وحذّر من إسقاط النظريات العلمية المتغيّرة على النص القرآني، مستشهدًا بالجدل حول تعبير «دحا الأرض»، ومبيّنًا أن لغة القرآن إيحائية ومتصلة بثقافة زمن النزول، لا بلغة المصطلح العلمي الحديث. ودعا إلى تبنّي عقلية بحثية تستلهم القيم القرآنية الكبرى، كالعدل والرحمة والمسؤولية، لتطوير علوم ومعارف تخدم الإنسانية، بدل الانشغال بما يُسمّى «الإعجاز العلمي»، لما قد يترتب عليه من تحميل النص ما لا يحتمل أو تحريف دلالاته.
***
لا ريب في أن مشروع المعجم الدلالي التاريخي للكلمات القرآنية يُعد من المبادرات البحثية الكبرى التي تتطلب جرأة علمية ودقة منهجية وأمانة في التناول، وهو ما يجعله جديرًا بالاهتمام، بغضّ النظر عن المواقف المؤيدة أو المتحفّظة تجاهه. فمثل هذا المشروع قد يسهم في إعادة النظر في مفاهيم راسخة في علوم التفسير واللغة، بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الخطاب القرآني أو يثير نقاشًا بين مدارس التأويل المختلفة.
وفي جميع الأحوال، فإن فتح حوار علمي هادئ ومنضبط حول هذه المبادرات يعكس حيوية الفكر الإسلامي وقدرته على التجديد، ويؤكد سعيه إلى الموازنة بين أصالة التراث ومتطلبات الفكر المعاصر.