محاولات في تعريف الثقافة (2-2)
تطرَّق الكاتب في الجزء الأول من المقال إلى مفهوم الثقافة في اللغة، ومن ثم متى تم تداولها واستخدامها في بقية اللغات، مشيراً إلى معناها الحرفي والاجتماعي عند المفكرين العرب، مثل محمد عبده.
بدأ استخدام كلمة ثقافة بالمعنى الاجتماعي العام في الظهور بوضوح في كتابات قاسم أمين، حيث أشار في كتابه «تحرير المرأة»، الذي نُشر عام 1899، إلى أن الثقافة ضرورة للمرأة، لتشارك زوجها أحزانه وأفراحه، وتفهم مشاعره فهماً عميقاً.وفي العراق، قال الشاعر جميل صدقي الزهاوي، الذي كان من أشد المتحمسين لقضية تحرير المرأة:
لا يقي عفة الفتاة حجاب بل يقيها تثقيفها والعلوم
أما مصطلح «الثقافة الإسلامية»، فيقول الباحث السوري عامر رشيد مبيض، إنه استُخدم لأول مرة عام 1936 في الجزء الثاني من كتاب «تراث الإسلام» لتوماس أرنولد، وهو يختلف عن كتاب «تراث الإسلام» من تصنيف شاخت وبوزورث الصادر في 3 أجزاء عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في طبعة ثانية عام 1988.
ويمكن القول إن الثقافة هي أسلوب الحياة السائد في أي مجتمعٍ بشري، وينبغي الانتباه إلى أن الاستخدام العلمي للكلمة لا يتضمَّن التهذيب، أو تقدُّم مستوى المعرفة في ثقافةٍ ما.
ويُلاحظ الأنثروبولوجيون، وهم المختصون بتطوُّر المجتمعات والتجمُّعات البشرية القديمة الأولى، أنه منذ البدايات الأولى للجنس البشري كانت الثقافة أهم ما يميِّز «المجتمع الإنساني» عن التجمُّعات الحيوانية، فطُرق الصيد، مثلاً، والزراعة وغيرها، تطوَّرت في المجتمعات الإنسانية، ولم تتطوَّر بين بقية الثدييات، وحتى بعض الحشرات، كالنمل أو النحل، تظل «ثقافتها» في الاتصال والتفاهم محدودة جداً بقُدرات البشر، وذلك لأن اللغة هي العامل الرئيسي لنقل الثقافة.
ورغم أن الإنسان منهمك في مجتمعات كثيرة بصيد الأسماك والطيور والحيوانات، فإن هذه الكائنات، من أسماك وطيور، لم تطوِّر من الوسائل ما تحمي بها نفسها حتى من الانقراض أحياناً، فنحن نصطاد الأسماك بنفس الشباك التي استُخدمت قبل مئات السنين، وطوَّرت البشرية وسائل حتى لخداع المحار وزراعة اللؤلؤ.
وتحدَّثت موسوعة العلوم السياسية، الصادرة عام 1994 عن جامعة الكويت، عن الثقافة والثقافة السياسية في عدة مواد، وجاء فيها أن الأصل اللاتيني للكلمة الإنكليزية للمصطلح، وهو colere، تعني الحرث أو الزرع، وأضافت أن المصطلح بدأ ظهوره في القرن الثامن عشر، وتطوَّر استخدامه في أربعة اتجاهات:
الاتجاه الأول، حالة من حالات الذهن التي تؤهل مَنْ يمتلكها للوصول إلى الكمال الإنساني.
والثاني يرى أن الثقافة هي حالة من النمو والتطوُّر الفكري والأخلاقي للمجتمع ككل.
والثالث، وهو الأكثر شيوعاً، يرى أن الثقافة هي صرح من الأعمال الفنية والفكرية.
أما الرابع، فيرى أن الثقافة هي طريقة حياة متكاملة؛ مادية، وفكرية، وروحية، لمجتمعٍ معيَّن (المجلد الأول، ص 275).
وقد تصارع المذهبان؛ الثوري، والمحافظ، طويلاً خلال القرن العشرين، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، حول تعريف الثقافة، وأهدافها، وكان العالم العربي أحد ميادين هذا الصراع في مجال الإعلام والنشر.
وعمدت الأنظمة إلى تشجيع نشر وترجمة ما تراه مؤيداً لنظامها من كُتب ومجلات ومراجع، وذلك خلال الفترة ما بين 1945 و1990، وهو العام الذي شهد انتهاء الحرب الباردة، وتفكُّك المعسكر الشرقي وغير ذلك.
هذه بعض مشاكل الثقافة، فماذا عن المثقفين؟