ثورة اللقاحات… من وقاية ضد الفيروسات إلى مناعة ضد السرطانات

نشر في 17-01-2026 | 23:19
آخر تحديث 17-01-2026 | 23:19
 د. محمد لطفـي

يشهد العام الحالي تحولات غير مسبوقة في عالم اللقاحات، فقد انتقل التركيز من مجرد الوقاية من الأمراض المعدية التقليدية إلى تطوير علاجات مناعية شخصية للسرطان وتحقيق تحصينات طويلة الأمد ضد أمراض استعصت على العلم لعقود طويلة.

ولا تمثل هذه الطفرة العلمية تطوراً تقنياً فحسب، بل تعكس تحولاً فلسفياً في مفهوم اللقاح من أداة وقائية جماعية إلى وسيلة علاجية دقيقة موجهة لكل مريض على حدة.

ومن أبرز الحقائق والتطورات في عالم اللقاحات خلال 2026، حدوث اختراق غير مسبوق في لقاحات السرطان العلاجية، إذ لم تعد اللقاحات حكراً على الوقاية من العدوى، بل أصبحت عنصراً أساسياً في بروتوكولات علاج السرطان، فالميلانوما (سرطان الجلد القتامي) مثلاً، بدأ مع مطلع هذا العام، اعتماد لقاحات علاجية جديدة تعتمد على تقنيات الطب الدقيق (Precision Medicine)، مثل اللقاحات المعروفة اصطلاحاً بلقاحات "النيوأنتيجين”، حيث يتم تحليل الطفرات الجينية الخاصة بكل ورم، وتصميم لقاح مخصص يحفّز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية بدقة عالية، وقد أظهرت النتائج الأولية تحسناً ملحوظاً في معدلات البقاء دون انتكاس المرض.

وفي سرطان البنكرياس أظهرت التجارب المتقدمة للقاحات mRNA المخصصة لمرضى سرطان البنكرياس أن هناك استجابات مناعية طويلة الأمد لدى نسبة معتبرة من المرضى، وتبين أن هناك انخفاضاً كبيراً في احتمالات عودة الورم بعد الجراحة والعلاج الكيميائي المساعد، في إنجاز مهم بأحد أكثر السرطانات فتكاً وصعوبة في العلاج.

ومن الطفرات كذلك دخول الجيل الثالث من لقاحات mRNA، حيث بلغت تقنية mRNA مرحلة جديدة من النضج العلمي والتطبيقي في سرعة غير مسبوقة، وبات بالإمكان تطوير لقاح فعال خلال أسابيع قليلة من تحديد التسلسل الجيني لأي فيروس ناشئ، وهو ما يمثل ثورة حقيقية في الاستجابة للأوبئة.

أما اللقاحات المدمجة فهي تشهد في المرحلة الحالية تطوير لقاحات مركبة تجمع بين الإنفلونزا الموسمية، كوفيد - 19، والفيروس المخلوي التنفسي (RSV) في حقنة واحدة سنوية، مما يسهل برامج التطعيم ويزيد من الالتزام المجتمعي.

كما أصبح 2026 عاماً مفصلياً في مكافحة الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) الذي يشكل خطراً كبيراً على الرضع وكبار السن، وأدى اعتماد تطعيم الحوامل ضد RSV إلى حماية المواليد خلال الأشهر الأولى من حياتهم، وقل دخول العناية المركزة بنسبة تجاوزت 70%.

وأثبتت النسخ المطورة من اللقاح فعالية تقارب 90% في منع الحالات الشديدة، وانخفاضاً ملحوظاً في مضاعفات الالتهاب الرئوي لدى من هم فوق 60 عاماً.

ويشهد هذا العام ترقباً عالمياً لنتائج المرحلة النهائية من تجارب لقاح جديد لمرض السل (Tuberculosis)، ليمثل بذلك أول تحديث جذري للقاح منذ أكثر من 100 عام، مستهدفاً حماية البالغين وليس الأطفال فقط، في إنجاز قد يغيّر مسار مكافحة أحد أكثر الأمراض فتكاً في الدول النامية.

كما توسعت برامج التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري، سرطان عنق الرحم (HPV)، في عشرات الدول، وأصبح تقديم اللقاح مجاناً للأطفال والمراهقين، وتم تبني استراتيجية عالمية تهدف إلى القضاء شبه الكامل عليه بحلول عام 2030.

وفي موازاة ذلك، صار الأمان والفعالية في عصر اللقاحات الحديثة رسمياً، فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية في 2026 تحديثات شاملة شملت: تحيين تركيبة لقاح الإنفلونزا لتشمل سلالات حديثة مثل «A/Missouri» و «A/ Sydney»، وأصبحت الآثار الجانبية أقل شدة وتكراراً، بفضل استخدام تقنيات التوصيل النانوي (Nanoparticles) التي تحسّن وصول اللقاح للخلايا المناعية وتقلل من التفاعلات غير المرغوبة.

ومما سبق يتضح أن عام 2026 لم يعد مجرد محطة زمنية في تاريخ الطب، بل يمثل نقطة تحول مفصلية في مفهوم اللقاحات، بالانتقال من الوقاية العامة إلى العلاج الدقيق، ومن درجة التحصين المؤقت إلى المناعة طويلة الأمد، ومن الاستجابة البطيئة إلى المواجهة السريعة للأوبئة، معلناً الدخول في حقبة جديدة يصبح فيها اللقاح ليس فقط درعاً واقياً، بل سلاحاً علاجياً ذكياً يعيد تعريف حدود الطب الحديث الذي لم يعد طريقاً لإنقاذ حياة المرضى فحسب، بل يتعدى ذلك إلى جعل حياتهم أكثر فائدة وأفضل متعة.

back to top