رياح وأوتاد: اتفقوا علينا فهل سنتفق؟

نشر في 18-01-2026
آخر تحديث 17-01-2026 | 19:14
 أحمد يعقوب باقر

يوم الأربعاء الماضي، نشرت «الجريدة» تصريحاً لرجل الدين الدرزي حكمت الهجري طالب فيه بإنشاء إقليم درزي مستقل للدروز في محافظة السويداء، وأكد أن إسرائيل هي الطرف المناسب للقيام بهذا الدور، وقال «نرى أنفسنا كجزء لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل وكذراع متحالفة معها». هذا التصريح الخطير ليس مفاجئاً، فالمطالبات بالحكم الذاتي ودعوات استقلال الأقاليم أو التقسيم تعم أجزاء كثيرة من الوطن العربي الذي تم تقسيمه عدة مرات في السابق، وهي تتفق تماماً مع تصريحات نتنياهو عن إعادة تشكيل المنطقة وتفكيك بعض دولها.

في السابق عانت بعض دول أوروبا من التطهير العرقي والفصل الديني، فلم يوجد فيها حتى الحرب العالمية إلا دين واحد ومذهب واحد مثل الكاثوليك في فرنسا وإيطاليا  وإسبانيا، والأرثوذوكس في أوروبا الشرقية، والبروتستانت في دول أخرى، أما منطقتنا العربية فقد تمتعت بحرية دينية تاريخية، فعاش فيها إلى جانب المسلمين اليهود والنصارى والدروز والعلويون والإزيديون والصابئة الذين تفرع منهم كثير من المذاهب والطوائف، فأصبح هذا التنوع - خصوصاً إذا تم تصعيده- بمنزلة أرض خصبة للمستعمر الغربي والصهاينة لإثارة الخلافات العرقية والدينية والتحريض على الانقسام.

ويزيد من خطورة هذا التحريض ضعف الحكومات المركزية وسوء إدارتها، وكذلك انقلاب العالم بقيادة القوى الكبرى على القوانين الدولية والحقوق الإنسانية الرحيمة والتي كان منشأها هو شعور الإنسان بويلات الحروب إلى الطغيان الحالي وسيطرة القوي على الضعيف وفرض إرادته بالقوة على ممتلكات الآخرين وأرضهم واحتلالها أو تقسيمها بالقوة.

إن مواجهة دعوات الانفصال والتحريض الخطير الذي تعاني منه كثير من الدول العربية الآن له وسائل وأساليب كثيرة لا يمكن حصرها في هذه العجالة، لكن أهمها هو نشر العدالة بين المواطنين وعدم الظلم، كما قال الشيخ ابن تيمية «إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة».

 إن الشعور بالعدالة والمساواة بين المواطنين يعزز الانتماء الوطني ويقطع طريق المحرضين، وقد نُقل عن الصحابي عمرو بن العاص أنه أمر القبطي بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب بضرب ابنه لأن ابنه اعتدى على القبطي، وقال له «اضرب ابن الأكرمين»، وقبلهم عاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود في المدينة على الدفاع عن المدينة المنورة التي كانت وطناً للجميع بل سمح لهم بالاحتكام إلى دينهم فيما بينهم.

وفي الوقت نفسه، يجب الانتباه إلى خطورة دعوات الكراهية، وإلى الذين يثيرون النعرات القبلية والطائفية ويعيدون إحياء الخلافات السياسية والحروب القديمة في ندوات أو مسرحيات أو رسائل إلكترونية من أي طرف كان، واتخاذ المواقف الحاسمة إزاءها بالتربية والتعليم والإجراءات القانونية العادلة، مع الدعوة إلى التعايش والجدال بالحسنى، والتذكير بأن في الفتنة والانقسام الضرر للجميع، فعندما حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطورة الفتن والهرج فإنه شرح معنى الهرج بقوله «يقتل الرجل لا يدري فيما قتل»، وهذا بالضبط ما يحدث الآن في بعض الدول التي اشتعلت فيها الانقسامات والحروب الداخلية.

back to top