حزمة قوانين هيكلية عبرت في 2025... والعين على التطبيق في 2026

• ضرورة وضع تلك التشريعات تحت مجهر الرصد والتقييم الدوري لضمان تصحيح أي انحرافات • مراسيم متنوعة تستهدف مراجعة الرسوم المالية وتطوير المنظومة القضائية والسكنية

نشر في 17-01-2026
آخر تحديث 17-01-2026 | 18:56
No Image Caption

بلغ إجمالي المراسيم بقوانين الصادرة العام الماضي نحو 157 مرسوماً، تركزت أساساً في قطاعات الشؤون المالية والعدالة والهوية الوطنية، مما يعكس توجهاً عاماً نحو تحديث الأطر القانونية المنظمة لعمل الدولة وتوسيع مصادر الإيرادات غير النفطية، حيث شهد عام 2025 نشاطاً تشريعياً مكثفاً اتسم بصدور مجموعة من المراسيم بقوانين استهدفت معالجة ملفات اقتصادية وإدارية وقضائية عالقة.  ووفقاً للبيانات الإحصائية التي أعدتها «الجريدة»، فقد استحوذ الجانب الاقتصادي على النصيب الأكبر من الجهد التشريعي، بهدف إعادة صياغة القواعد المالية والضريبية، وجاء المرسوم بقانون رقم (1) لسنة 2025 بشأن الرسوم والتكاليف المالية مقابل الانتفاع بالخدمات العامة كواحد من أبرز التحولات التنظيمية، إذ منح الأداة القانونية اللازمة لمراجعة وتقييم عوائد الخدمات الحكومية.

الجانب الاقتصادي استحوذ على النصيب الأكبر من الجهد التشريعي

في سياق متصل، اتجهت التشريعات نحو مواءمة النظام المالي مع المتطلبات الدولية، وهو ما تجسد في المرسوم بقانون رقم (6) لسنة 2024 بشأن تبادل المعلومات لغايات ضريبية، والاتفاقيات الثنائية لتجنّب الازدواج الضريبي مع عدة دول، منها الإمارات (المرسوم رقم 7 لسنة 2024).  كما سجل العام إقرار مرسوم بقانون رقم (60) لسنة 2025 المعني بتنظيم التمويل والسيولة، لتوفير خيارات أوسع لإدارة العجز المالي وتدبير الاحتياجات التمويلية للمشاريع الكبرى.

وأتى تطوير منظومة العدالة محوراً ثانياً في أجندة عام 2025، إذ استهدفت القوانين الجديدة تقليص الدورة المستندية وتخفيف تكدس القضايا، ومن أبرز تلك التشريعات المرسوم بقانون رقم (72) لسنة 2025 بشأن «الدعاوى قليلة القيمة»، الذي استحدث إجراءات ميسرة للفصل في النزاعات المالية محدودة النطاق.



كما تضمنت الإصلاحات القضائية دمج بعض الاختصاصات لرفع كفاءة العمل الإداري، وهو ما ظهر في المرسوم بقانون رقم (155) لسنة 2025 بإلغاء القانون رقم 22 لسنة 1960 بتنظيم محكمة المرور، والمرسوم رقم (157) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، الذي سمح لجهة الادعاء بطلب إصدار أوامر جزائية بالعقوبة في حالات محددة، مما يساهم في سرعة حسم الملفات القانونية البسيطة.

التشريعات القضائية تنعكس إيجاباً على تصنيف الكويت في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال العالمية

وعلى الصعيد الإداري والسيادي، استمر العمل بمراسيم سحب وفقد الجنسية كأداة لتنظيم ملف الهوية الوطنية ومعالجة المخالفات المسجلة في هذا الشأن، كما سجل العام صدور المرسوم بقانون رقم (156) لسنة 2025 بإصدار قانون مكافحة الجرائم الدولية، في خطوة لتعزيز الالتزامات القانونية الدولية لدولة الكويت.

إدارياً، شهد العام توجهات نحو دمج الهيئات الحكومية لتقليص البيروقراطية، كان أبرزها مرسوم إلغاء الهيئة العامة للطرق ونقل اختصاصاتها إلى وزارة الأشغال لتوحيد جهة الإشراف والرقابة على مشاريع البنية التحتية.

أما الاستحقاقات الاجتماعية والتنمية العمرانية، ففي الجانب الإسكاني والاجتماعي، ركزت التشريعات على إيجاد حلول تنظيمية لأزمة السكن عبر المرسوم رقم (119) لسنة 2025 بشأن استصلاح الأراضي وتوفير المواقع السكنية، وتعديلات قانون «المطور العقاري» (المرسوم رقم 89 لسنة 2025) لإشراك القطاع الخاص في المشاريع العمرانية.

إنسانياً، جاء المرسوم بقانون رقم (154) لسنة 2025 بإصدار قانون حماية المفقودين ليقدم إطاراً قانونياً لحماية حقوق هذه الفئة وتنظيم مراكزهم القانونية، وهو التشريع الذي حظي باهتمام حقوقي واسع باعتباره يسد ثغرة قانونية استمرت سنوات طويلة.

وبالمجمل تظهر إحصائية عام 2025 أن الدولة دخلت مرحلة «المراجعة الهيكلية»، فبينما كانت القوانين المالية تستهدف استدامة الميزانية العامة، كانت القوانين القضائية والإدارية تهدف إلى ترشيق العمل الحكومي، ويبقى التحدي في عام 2026 كمرحلة اختبار لقدرة الأجهزة التنفيذية على تطبيق هذه التشريعات وتحويل نصوصها إلى نتائج ملموسة في الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

وبالانتقال من أروقة الصياغة القانونية إلى ميادين التطبيق العملي، يرى مراقبون أن المحك الحقيقي للقوانين الاقتصادية الصادرة في عام 2025، وعلى رأسها المرسوم بقانون رقم (1) لسنة 2025 بشأن الرسوم المالية، يكمن في قدرة الأجهزة التنفيذية على الموازنة بين تعظيم الإيرادات غير النفطية وضمان استقرار القوة الشرائية، وهي معادلة تتطلب مرونة عالية في اللوائح التنفيذية لتجنب أي آثار تضخمية قد تنعكس على القطاع الخاص والسوق والمستهلك في نهاية المطاف.

وعلى صعيد الاستدامة المالية، فإن إقرار قوانين الحسابات الختامية للهيئات المستقلة (من المرسوم 145 إلى 153 لسنة 2025 فيفترض بها أن تقدم كشف حساب دقيقاً لأداء مؤسسات حيوية مثل «مؤسسة الموانئ» و«هيئة الصناعة»، مما يمهد الطريق في عام 2026 لإعادة تقييم جدوى استمرار بعض الهيئات بشكلها الحالي أو دمجها، استكمالاً لنهج الترشيق الإداري الذي بدأ بإلغاء «هيئة الطرق»، فإن لغة الأرقام في هذه الحسابات تعطي مؤشرات حقيقية حول مدى نجاح الدولة في تقليص الهدر المالي وتحويل الهيئات الخدمية إلى وحدات منتجة تسهم في رفد الميزانية العامة.

وفيما يتعلق بالبيئة الاستثمارية، فإن مفعول المرسوم بقانون رقم (7) لسنة 2025 بتعديل تملك غير الكويتيين للعقارات، بدأ في رسم خريطة جديدة للسوق العقاري لكن يبقى التحدي الذي يبرز حالياً هو تهيئة البنية التحتية والتشريعية في المناطق المسموح التملك بها، لضمان استقطاب رؤوس أموال حقيقية تساهم في التنمية العمرانية، وليس مجرد مضاربات عقارية، فنجاح هذا القانون مرتبط بشكل وثيق بمدى تكامله مع تشريعات «المطور العقاري» (المرسوم رقم 89 لسنة 2025)، لخلق منظومة سكنية وتجارية متكاملة تخفف العبء عن كاهل الرعاية السكنية الحكومية التقليدية.

أما في المسار الإداري والقضائي، فإن عام 2026 يضع «الرقمنة» في صلب الاختبار، فالقوانين الصادرة لتسريع التقاضي، مثل مرسوم «الدعاوى قليلة القيمة» (رقم 72)، تتطلب بنية تقنية متطورة وقوة بشرية مدربة لاستيعاب التحول نحو «الأوامر الجزائية» التي أقرها المرسوم رقم 157 لسنة 2025.  والهدف النهائي هو خفض تكلفة التقاضي زمنياً ومالياً، مما سينعكس إيجاباً على تصنيف الكويت في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال العالمية، ويعزز من هيبة القانون عبر سرعة رد الحقوق لأصحابها.

ختاماً، يمكن القول إن عام 2025 وضع «القواعد»، بينما يمثل عام 2026 «الاختبار الحقيقي لكفاءة الإدارة»، وإن الانتقال من مرحلة التشريع إلى مرحلة التنفيذ يتطلب تناغماً بين الجهات لضمان عدم وجود فجوات إجرائية تعطل الأهداف السامية لهذه القوانين، والأهم هو بقاء هذه التشريعات تحت مجهر الرصد والتقييم الدوري سيضمن تصحيح أي انحرافات قد تظهر عند التطبيق.

back to top