حين يرحل الأمان وتبقى الذكريات
أحمد أبو بكر رضوان
يرحل الأمان وتبقى الذكريات في لحظات الحزن العميق، تتوقف الكلمات عند حدودها، لكن يبقى القلم شاهداً على ما نشعر به، ووسيلة للتعبير عما يعتصر القلوب عند فقد الأحبة. ودعنا إلى رحمة الله تعالى والدة زوجتي، تلك المرأة الطيبة والحنونة، التي كانت قلباً نابضاً بالحب والدفء، ومصدر دعم دائم وملاذاً للراحة والطمأنينة، ونموذجاً نادراً للحنان الذي يترك أثره في النفوس قبل القلوب، حيث جاء رحيلها المفاجئ بلا تمهيد أو وداع، فكان أشد قسوة على من ارتبطت بها برابطة الأمومة، وترك فراغاً كبيراً في قلوب كل من عرفها وأحبها، لا يملؤه سوى الذكريات الجميلة التي تذكرنا بقيمة الوقت مع من نحب.
ورغم أن الموت حقيقة من حقائق الحياة، يظل تجربة مؤلمة عند فقدان من كان مصدراً للحب والأمان، لكنه يعلمنا درساً عميقاً في الصبر والاحتساب، ويذكّرنا بقيمة الأحباب قبل الرحيل. الفقد لا يعلّمنا الحزن فقط، بل يعلمنا الاحتفاظ بالذكريات، والاستمرار في العطاء والحنان، ليظل أثر من رحلوا حاضراً في حياتنا، فالدرس الأعظم من هذا الرحيل أن قيمة الإنسان تقاس بما يزرعه من حب وخير في قلوب الآخرين.
رسالتنا من هذا المصاب هي تأكيد أن الحب الصادق لا ينتهي بالرحيل، وأن الأثر الطيب مهما غاب الجسد يبقى حاضراً في النفوس والقلوب، وشامخاً شاهداً على قيمة الإنسان وما تركه خلفه من مواقف إنسانية وذكريات صادقة. وفي هذه اللحظات القاسية، يصبح الصبر والاحتساب لله هما السبيل لتجاوز الألم، ليس إنكاراً للألم، ولكن إيماناً بأن الرحيل حق، وأن الرحمة الإلهية أوسع من كل وجع، فالصبر يعني القدرة على التماسك، وحفظ الذكرى الجميلة، وتحويل الألم إلى طاقة إيجابية تترجم في صورة دعاء، ووفاء، واستمرار في نشر الخير الذي تعلمناه ممن رحلوا.
إن الحفاظ على إرث من فقدناهم لا يكون بالبكاء عليهم، بل باستحضار قيمتهم في حياتنا اليومية، والتمسك بما تركوه فينا من حب وصدق، لتبقى ذكراهم حية لا تغيب، فالإنسان لا يقاس بطول عمره، بل بما زرعه من خير في قلوب الآخرين. نسأل الله أن يجمعنا بمن نحب في مستقر رحمته، وأن يلهمنا القوة والصبر لتجاوز ألم الفقد، وأن يجعل هذا الصبر طريقاً للسكينة والطمأنينة.