تحديات أسعار النفط اختبار جدي لكفاءة إعداد الميزانية المقبلة
• الرئيس الأميركي يسعى إلى برميل بسعر 50 دولاراً... وتعادل الكويت 90.5
• لا يمكن الاستمرار بميزانية إيراداتها نفطية ومصروفاتها رواتب ودعوم ومناقصات
• الميزانية المقبلة للدولة يجب أن تكون ضمن مشروع يعالج الاختلالات الهيكلية للاقتصاد
لا يكشف التقرير الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال عن تحديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسعر برميل نفط عند 50 دولاراً سراً أو توجهاً جديداً؛ فهذا السعر معلن في تصريحاته منذ إعادة انتخابه عندما كانت أسعار النفط «خام برنت وغرب تكساس» تدور حول مستويات 75 إلى 71 دولاراً للبرميل، فيما كان سعر برميل النفط الكويتي عند 74 دولاراً.
اليوم مع سعر برميل نفط لبرنت وتكساس والكويتي عند مستويات تتراوح بين 60 و65 دولاراً، رغم تصاعد موجات التوترات الجيوسياسية؛ سواء في القارة الأميركية الجنوبية أو شرق أوروبا أو الشرق الأوسط؛ تبدو أوضاع أسواق الطاقة معرّضة لضغوط وفرة المعروض حتى مع تقييد مجموعة «أوبك+» زيادة إنتاجها في الربع الأول من العام الحالي.
توقعات وتوجهات
فمعظم التوقعات الخاصة بأسواق الطاقة تتفق بدرجة ما مع توجهات ترامب في مساعيه لخفض سعر برميل النفط، إذ تحذّر شركة ترافيجورا، التي تعتبر إحدى أكبر شركات تجارة السلع الأساسية في العالم، من أن سوق النفط سيواجه فائضاً هائلاً العام الحالي مع تزايد تدفُّق المعروض الجديد وسط ضعف الاقتصاد العالمي، وتقدر أن أسعار النفط قد تظل في حدود 50 دولاراً حتى منتصف العام، قبل أن تتعافى بحلول نهايته، أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فتتوقع استمرار ارتفاع مخزونات النفط العالمية؛ مما سيؤدي إلى ضغط نزولي على أسعار النفط في الأشهر المقبلة، إلا أنها ترى أن سياسة إنتاج «أوبك+»، واستمرار الصين في بناء مخزوناتها سيحدّان من انخفاض الأسعار.
وفي أحدث التوقعات، نجد أن بنك غولدمان ساكس رجّح، في مذكرة صدرت الأحد الماضي، أن تتجه أسعار النفط إلى التراجع خلال هذا العام؛ مع موجة من الإمدادات التي ستؤدي إلى فائض في السوق؛ رغم المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بروسيا وفنزويلا وإيران في التأثير على تقلبات الأسعار.
أهداف والتزام
ومع مساعي إدارة ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام بين أوكرانيا وروسيا، إلى جانب جهود استقطاب الشركات النفطية للعمل في تطوير البنية التحتية في قطاع الطاقة الفنزويلي والضغط على إيران لتكون أقل عدائية للولايات المتحدة، فإنه في النهاية يستهدف خفض علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط، وهو ما يقرّب أهدافه المعلنة ببلوغ البرميل مستوى 50 دولاراً.
وبالطبع يظل التزام مجموعة «أوبك+» باستمرارها في سياسة كبح زيادة الإنتاج مؤقتاً في نطاق الربع الأول من العام الحالي، خصوصاً أن الخلافات داخل المجموعة بشأن الحصص الإنتاجية ليست جديدة وربما تعود إلى الواجهة مجدداً لأسباب فنية أو سياسية.
في سياق وضع سوق الطاقة وأسعار النفط، ما يهمنا في الكويت أن وزارة المالية تعمل في الفترة الحالية على إعداد مشروع الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2026 - 2027، تمهيداً لإعلانها خلال أسابيع قليلة؛ مما يستوجب من معدّي الميزانية الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المحددات أهمها أن تكون ميزانية الدولة في السنة المقبلة، المتوقع أن تتعرض لعجز مالي من بين الأكبر في تاريخ البلاد في ظل مساعي ترامب لتحقيق أهدافه، ضمن مشروع إصلاح اقتصادي مرتبط بمعالجة الاختلالات الهيكلية، لا سيما تنويع الإيرادات وإصلاح سوق العمل، وتنمية وتنويع الناتج المحلي، وهي خطط، وإن كانت تأخذ نتائجها وقتاً ما بين المديين المتوسط والطويل، فإن البدء بها وإعلانها أمر واجب على المدى القصير.
اختلالات ومخاطر
كما أن الميزانية تعتمد في إيراداتها، بما يوازي 90 بالمئة على إيرادات النفط، ويوظف القطاع العام من خلال نحو 84 بالمئة من قوة العمل الكويتية، وتنفق ما يتجاوز 80 بالمئة من مصروفاتها على الرواتب والدعوم ويتجاوز سعر برميل النفط الحالي سعر التعادل في الميزانية (90.5 دولاراً) بما يوازي 53 في المئة... هذه ميزانية تعبّر عن اختلالات وليست مجرد أرقام.
كذلك من المهم فهم أن مخاطر سوق النفط والضغط على أسعاره ليست مسألة عابرة، خصوصاً أنها أحد الأهداف الجوهرية للرئيس الأميركي، بالتالي لا يمكن التعامل معها كوضع طارئ لفترة سريعة، إنّما حالة تفرض نفسها على المدى المتوسط على الأقل، مما يعني أن استخدام أموال الدَّين العام أو الأصول السيادية لتغطية العجز المالي المتوقع هو أمر سيرفع من مخاطر المالية العامة واستدامتها.
كما أن مسألة تحميل المجتمع مسؤولية الإخفاق الحكومي وفرض سياسات الجباية المالية كخفض الرواتب والمزايا الوظيفية أو زيادة أسعار الرسوم والخدمات أو أملاك الدولة أو فرض الضرائب أو الشروع في برامج خصخصة في قطاعات مهمة ومعقّدة دون أدوات تنظيم أو إشراف محترفة من الدولة، لا شك في أنها ستفضي إلى نتائج سلبية اقتصادياً واجتماعياً، حتى وإن حققت لفترة وفراً مالياً... فأيّ أموال تجنيها الدولة من سياسات الجباية المالية ستنفقها على الاختلالات الاقتصادية، لا سيما سوق العمل.
تحمُّل وعبرة
صحيح أن أسعار النفط متراجعة ومهددة بمزيد من الانخفاض، لكن ذلك لا يعني أن دولة كالكويت لا تستطيع أن تتحمل سنوات معيّنة من تراجع أسعار الطاقة، إلا أن العبرة ليست في التحمل من عدمه، بل في استغلاله لإحداث تحوّل عنوانه الأبرز أن تكون ميزانية الدولة جزءاً من مشروع إصلاح اقتصادي، وليست مجرد بيانات إيرادات نفط ومصروفات رواتب ودعوم ومناقصات.
اليوم مع سعر برميل نفط لبرنت وتكساس والكويتي عند مستويات تتراوح بين 60 و65 دولاراً، رغم تصاعد موجات التوترات الجيوسياسية؛ سواء في القارة الأميركية الجنوبية أو شرق أوروبا أو الشرق الأوسط؛ تبدو أوضاع أسواق الطاقة معرّضة لضغوط وفرة المعروض حتى مع تقييد مجموعة «أوبك+» زيادة إنتاجها في الربع الأول من العام الحالي.
الكويت تستطيع تحمُّل سنوات من تراجع أسعار النفط... والعبرة في التحول للإصلاح الاقتصادي
توقعات وتوجهات
فمعظم التوقعات الخاصة بأسواق الطاقة تتفق بدرجة ما مع توجهات ترامب في مساعيه لخفض سعر برميل النفط، إذ تحذّر شركة ترافيجورا، التي تعتبر إحدى أكبر شركات تجارة السلع الأساسية في العالم، من أن سوق النفط سيواجه فائضاً هائلاً العام الحالي مع تزايد تدفُّق المعروض الجديد وسط ضعف الاقتصاد العالمي، وتقدر أن أسعار النفط قد تظل في حدود 50 دولاراً حتى منتصف العام، قبل أن تتعافى بحلول نهايته، أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فتتوقع استمرار ارتفاع مخزونات النفط العالمية؛ مما سيؤدي إلى ضغط نزولي على أسعار النفط في الأشهر المقبلة، إلا أنها ترى أن سياسة إنتاج «أوبك+»، واستمرار الصين في بناء مخزوناتها سيحدّان من انخفاض الأسعار.
وفي أحدث التوقعات، نجد أن بنك غولدمان ساكس رجّح، في مذكرة صدرت الأحد الماضي، أن تتجه أسعار النفط إلى التراجع خلال هذا العام؛ مع موجة من الإمدادات التي ستؤدي إلى فائض في السوق؛ رغم المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بروسيا وفنزويلا وإيران في التأثير على تقلبات الأسعار.
أهداف والتزام
ومع مساعي إدارة ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام بين أوكرانيا وروسيا، إلى جانب جهود استقطاب الشركات النفطية للعمل في تطوير البنية التحتية في قطاع الطاقة الفنزويلي والضغط على إيران لتكون أقل عدائية للولايات المتحدة، فإنه في النهاية يستهدف خفض علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط، وهو ما يقرّب أهدافه المعلنة ببلوغ البرميل مستوى 50 دولاراً.
وبالطبع يظل التزام مجموعة «أوبك+» باستمرارها في سياسة كبح زيادة الإنتاج مؤقتاً في نطاق الربع الأول من العام الحالي، خصوصاً أن الخلافات داخل المجموعة بشأن الحصص الإنتاجية ليست جديدة وربما تعود إلى الواجهة مجدداً لأسباب فنية أو سياسية.
اعتبار وإعدادتحميل المجتمع مسؤولية الإخفاق الحكومي سيُفضي إلى نتائج سلبية اقتصادياً واجتماعياً
في سياق وضع سوق الطاقة وأسعار النفط، ما يهمنا في الكويت أن وزارة المالية تعمل في الفترة الحالية على إعداد مشروع الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2026 - 2027، تمهيداً لإعلانها خلال أسابيع قليلة؛ مما يستوجب من معدّي الميزانية الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المحددات أهمها أن تكون ميزانية الدولة في السنة المقبلة، المتوقع أن تتعرض لعجز مالي من بين الأكبر في تاريخ البلاد في ظل مساعي ترامب لتحقيق أهدافه، ضمن مشروع إصلاح اقتصادي مرتبط بمعالجة الاختلالات الهيكلية، لا سيما تنويع الإيرادات وإصلاح سوق العمل، وتنمية وتنويع الناتج المحلي، وهي خطط، وإن كانت تأخذ نتائجها وقتاً ما بين المديين المتوسط والطويل، فإن البدء بها وإعلانها أمر واجب على المدى القصير.
اختلالات ومخاطر
كما أن الميزانية تعتمد في إيراداتها، بما يوازي 90 بالمئة على إيرادات النفط، ويوظف القطاع العام من خلال نحو 84 بالمئة من قوة العمل الكويتية، وتنفق ما يتجاوز 80 بالمئة من مصروفاتها على الرواتب والدعوم ويتجاوز سعر برميل النفط الحالي سعر التعادل في الميزانية (90.5 دولاراً) بما يوازي 53 في المئة... هذه ميزانية تعبّر عن اختلالات وليست مجرد أرقام.
كذلك من المهم فهم أن مخاطر سوق النفط والضغط على أسعاره ليست مسألة عابرة، خصوصاً أنها أحد الأهداف الجوهرية للرئيس الأميركي، بالتالي لا يمكن التعامل معها كوضع طارئ لفترة سريعة، إنّما حالة تفرض نفسها على المدى المتوسط على الأقل، مما يعني أن استخدام أموال الدَّين العام أو الأصول السيادية لتغطية العجز المالي المتوقع هو أمر سيرفع من مخاطر المالية العامة واستدامتها.
تحميل المجتمعنتائج الخطط الإصلاحية تأخذ مدى زمنياً... لكن البدء بها سريعاً أمر واجب على المدى القصير
كما أن مسألة تحميل المجتمع مسؤولية الإخفاق الحكومي وفرض سياسات الجباية المالية كخفض الرواتب والمزايا الوظيفية أو زيادة أسعار الرسوم والخدمات أو أملاك الدولة أو فرض الضرائب أو الشروع في برامج خصخصة في قطاعات مهمة ومعقّدة دون أدوات تنظيم أو إشراف محترفة من الدولة، لا شك في أنها ستفضي إلى نتائج سلبية اقتصادياً واجتماعياً، حتى وإن حققت لفترة وفراً مالياً... فأيّ أموال تجنيها الدولة من سياسات الجباية المالية ستنفقها على الاختلالات الاقتصادية، لا سيما سوق العمل.
تحمُّل وعبرة
صحيح أن أسعار النفط متراجعة ومهددة بمزيد من الانخفاض، لكن ذلك لا يعني أن دولة كالكويت لا تستطيع أن تتحمل سنوات معيّنة من تراجع أسعار الطاقة، إلا أن العبرة ليست في التحمل من عدمه، بل في استغلاله لإحداث تحوّل عنوانه الأبرز أن تكون ميزانية الدولة جزءاً من مشروع إصلاح اقتصادي، وليست مجرد بيانات إيرادات نفط ومصروفات رواتب ودعوم ومناقصات.