مدفونة
قرأت في الفترة الأخيرة عن «الصمت» كفعلٍ وموقف. كان الدافع هو محاولة تفسير «الصمت» بعيداً عن وظيفته التقليدية في الاستفادة، وتحقيق المصالح الشخصية، أو التفكير العميق. الصمت له أوجه كثيرة، لا يُدركها سوى مَنْ أنعم الله عليهم بالفراسة والنظرة الثاقبة والقلب الحي.
أول الاكتشافات أتت من الفيلسوف الألماني شوبنهاور، الذي قال: «الصمت هو آخر قلعة يحتمي بها العقل». فعندما يسود الجنون، و«الهبل»، وتعمُّد «الهبل»، تسقط فائدة الحوار ومحاولة تصحيح الانحرافات.
الاكتشاف الثاني هو الفيلسوف الفرنسي جان جينيه، صاحب مقولة «الصمت هو أحد الحقوق التي لا يمكن نزعها من الإنسان»، والتي تصلح في حالات يُصبح فيها الصمت والنأي عن المشاركة في حفلة «زار» التطبيل أمراً مزعجاً لفريقٍ لا يرى كمال أعماله سوى بانضمام الجميع لتلك الحفلة.
نحن نعيش في عالمٍ يضج بالأصوات والضجيج. أصبح التعبير العلني فيه سِمة العصر، ورغم ذلك يظل الصمت لغزاً مُحيراً، رغم أنه كثيراً ما يُفسَّر على أنه موافقة أو رضوخ، لكن في الحقيقة غالباً ما يكون الأمر أكثر تعقيداً، فقد يكون الصمت لغةً أخرى تُعبِّر عن مشاعر وأفكار عميقة، وقد يكون بركاناً هادراً تحت سطح هادئ.
وعبر التاريخ، لم يكن الصمت مجرَّد غيابٍ للكلام، بل كان أحياناً شكلاً من أشكال الاحتجاج في الأوضاع التي تُكبت فيها حُرية التعبير، حيث يُصبح الصمت سلاحاً للمقهورين، ورفضاً لمنح الموافقة لأطرافٍ غير مرغوب فيها. غالباً ما يسبق الاحتجاج الجماعي فترات من الصمت، والمجتمعات التي تُسكت قسراً تصل إلى نقطة لا يعود الصمت فيها ممكناً، بعد تحوُّل إلى طاقةٍ احتجاجية هائلة.
في الختام، يُعد الصمت لغةً معقدة تحتاج إلى تفسيرٍ دقيق، فهو ليس فراغاً، بل حالة وجودية تعبِّر أحياناً عن أعمق المشاعر وأكثرها حِدة. الفهم الحقيقي للصمت يتطلب إدراك أن الهدوء السطحي قد يُخفي تحته عواصف عاتية، لذلك من الحِكمة أن نتعلَّم «قراءة» الصمت، وأن نعي أن غياب الكلام لا يعني بالضرورة غياب الرأي أو المشاعر، بل قد يكون مؤشراً على غضب كامن، أو فورة تنتظر لحظة الانطلاق.