الدولة الهشّة

نشر في 14-01-2026
آخر تحديث 13-01-2026 | 18:57
 حسن العيسى

يمكن توصيف معظم دول النظام العربي بأنها دول هشّة، وفق المقاربة التي يطرحها المفكّر والباحث نسيم نيقولا طالب. فالهشاشة، في جوهرها، لا ترتبط فقط بضعف الموارد أو اضطراب الأمن، بل تبدأ من بنية الحكم نفسها، وتحديداً من مركزية نظام صنع القرار.

عندما تُختزل الدولة في شخص واحد أو في دائرة ضيّقة تحتكر القرار السياسي من بدايته إلى نهايته، يتحوّل الرأي الفردي إلى حكمٍ قاطع لا يقبل المراجعة أو التراجع، حتى وإن تبيّن لاحقاً أن نتائجه كارثية. صحيح أن المركزية قد تُظهر الحكومات، في بعض الأحيان، أكثر كفاءة وأكثر استقراراً على السطح، حيث تبدو الأمور وكأنها تسير بسلاسة وانتظام، غير أن هذا الاستقرار غالباً ما يكون وهمياً. فالانحرافات، حين تقع، تصبح أكثر خطورة، وتتحول القرارات المركزية — كالإصلاحات الاقتصادية أو السياسية الكبرى — إلى كوارث يصعب على الزمن ترميم آثارها.

وتتعاظم هشاشة الدولة عندما يقوم اقتصادها على مصدر وحيد للدخل. فالدول التي تعتمد على السياحة بوصفها ركيزة أساسية تجد نفسها في وضع بالغ الخطورة إذا ما أُغلقت أبواب هذا المورد لأي سبب كان. وينطبق الأمر ذاته على الدول التي يعتمد اقتصادها على ثروة طبيعية واحدة، كالنفط، وهو حال معظم دول منظمة «أوبك». فحدوث انخفاض حاد في أسعار هذه السلعة يضع الدولة أمام عجز مالي هائل، في ظل غياب بدائل قادرة على تعويض الخسائر، مما يضطرها إلى الاقتراض، ومن ثم الخضوع لإملاءات الدول الدائنة ووصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

الهشاشة الاقتصادية تقود، بطبيعتها، إلى هشاشة سياسية. فالصورة التي تظهر للعالم عن دولة قوية، تمتلك قبضة أمنية صارمة بفضل مركزية القرار، ليست سوى صورة مضلِّلة. خلف هذا المشهد المتماسك ظاهرياً، ينخر الضعف والتيه في عظام الدولة. والقرارات التي اتُّخذت يوماً على أنها طوق نجاة لمعالجة أزمة مالية أو أمنية، تتحول مع مرور الوقت إلى أثقالٍ تشد الدولة نحو قاعٍ بلا قرار.

إن هشاشة الدول ليست مسألة عابرة أو نظرية، بل قضية مصيرية يفترض التعامل معها بوعيٍ عميق وحسابٍ دقيق، قبل أن تتحول مظاهر القوة إلى مقدّمات لانهيار لا رجعة فيه.

back to top