اختبار أخلاقي في زمن الضجيج

نشر في 14-01-2026
آخر تحديث 13-01-2026 | 17:43
 بدور المطيري

في لحظة نظن فيها أن الظلم بلغ نهايته، يكشف الواقع عن وجه آخر للقسوة، أكثر صمتاً وأشد فتكاً، فليس كل ما يقتل يرى، ولا كل ما يؤلم يترك أثراً ظاهرياً، أحيانا قمّة القسوة ألّا يسمعك أحد.

لم يكن بدر المطيري يسعى إلى بطولة، ولا الى تعاطف عابر، كان يطلب حقاً إنسانياً، أن يُسمع، يُصدَّق، وأن تُمنح العدالة وقتها الطبيعي قبل أن تتحول إلى أداة بطيئة، قصته انتشرت قبل عامين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سردها بالتفصيل، ولم تكن حالة فردية معزولة، بل نموذجاً صريحاً لما قد تفعله الأخطاء الإدارية حين تتراكم، والبيروقراطية حين تُدار بلا حسّ إنساني، والمجتمع حين يختار القسوة بدل الإنصاف.

سرقة جواز سفره كانت الشرارة الأولى، بعدها انتحال شخصية، ثم جرائم نُسبت إليه، فحملة تشهير، وصولاً إلى حكم حبس صدر قبل يومين فقط من زفافه، تفاصيل تبدو كأنها من رواية سوداء، لكنّها واقعية، دخل السجن وهو يردد جملة واحدة: «أنا بريء»، خرج بجسم منهك، وسمعة مثقلة، وحياة لم تعد قابلة للترميم السهل.

وحين تم الإقرار بالخطأ غير المقصود وصرف تعويض 200 ألف دينار، ظن أن الملف أُغلق بهذه النهاية، ولكن بعد 4 سنوات طُلب منه إعادة المبلغ، وقيل إنه لا يستحق سوى 50 ألفاً، لم تكن الصدمة في الفرق المالي، ولكن في الإحساس بأن العدالة نفسها لم تستوعب ألمه النفسي وسنوات عمره الضائعة، وأن الخطأ لم تتم معالجته ليتم إعادة فتح الجرح في توقيت يفتك بما تبقّى من طاقة الإنسان.

قهره لم يكن معنوياً فقط، استوطن جسده، أضعفه وأسقطه على فراش المرض، ليكون ضحية سرطان ينهش جسداً أنهكته سنوات من الخذلان والقهر، حاول بدر هذه المرة أن يرفع صوته، كتب، ناشد، لكن الضجيج كان أعلى منه ولم يسمعه مرة أخرى أي أحد.

قسوة المجتمع كانت سجناً موازياً، تشكيك دائم، أحكام جاهزة، ونظرات لا ترى في الضحية إلّا شبهة مستمرة، أما بطء العدالة فكان القسوة الأخرى، تلك التي لا تُرى ولا تُدان، لكنها تستنزف الأرواح بصمت حتى آخرها.

قبل عامين، قرر بدر أن يتحدث علناً، لم يعد لديه ما يخسره، لم يهاجم، لم يصرخ، لكنه قال: «أنا بريء»... كتب قصته في كتاب «أعوام الظلام»، واختار ممثليها لتحويلها إلى مسلسل، لعلّ الحقيقة تصل عبر الدراما إن عجزت عنها الملفات، لكنه رحل قبل أن يرى قصته تُروى كما عاشها.

في وداعه ينبغي ألا نكتفي بالرثاء، ولا بتحويل قصته إلى حالة عاطفية عابرة، ما حدث لبدر هو اختبار أخلاقي لنا كمجتمع، ولسؤال أعمق: كم بدراً بيننا؟ وعن دورنا حين نواجه رواية مختلفة عن السائد، هل نمتلك الشجاعة لنقف مع الحقيقة حتى لو أربكتنا؟ أم نختار الطريق الأسهل، الصمت والتشكيك وترك الإنسان وحيداً في معركته؟

رحل بدر، لكن قصّته باقية، تذكّرنا بأنّ الظلم لا يسقط بسقوط الضحية، بل يتضاعف إن لم نتعلم، والإنصاف لا يبدأ في قاعات المحاكم فقط، بل في ضمائرنا، حين نقرر أن القسوة جريمة في حق الإنسان، وأن الإصغاء قد ينقذ حياة.

back to top