أيهما أصلح: الديموقراطية أم الاستبداد؟

نشر في 13-01-2026
آخر تحديث 12-01-2026 | 18:58
 حسن العيسى

يطرح «بناء الدولة» لفرانسيس فوكوياما إشكالية قديمة متجددة في الفكر السياسي والاقتصادي: هل يكمن مفتاح النمو الاقتصادي في طبيعة النظام السياسي ذاته، أم في نوعية مَن يدير هذا النظام؟

خلال السنوات الماضية، برز رأي يدعو إلى إعادة النظر في الربط الآلي بين الاستبداد والتخلف، أو بين الديموقراطية والازدهار. خلاصة هذا الرأي أن النتائج الاقتصادية لا يحددها النظام الاستبدادي بحد ذاته، بل شخصية الزعيم المستبد، وكفاءة الحلقة التكنوقراطية التي تحيط به، فالدولة الاستبدادية، وفق هذا المنطق، قد تعمل بكفاءة إذا أدارها شخص على شاكلة لي كوان يو، لكنها تتحول إلى عبء مدمر إذا كان المستبد شبيهاً بموبوتو سيسي سيكو أو فرديناند ماركوس.

غير أن فوكوياما لا يبتلع هذا الرأي على عواهنه، فهو يضيف تحفّظاً جوهرياً: الأنظمة الديموقراطية، مهما اعتراها من عيوب، تمتلك ضوابط مؤسساتية تحدّ من الجشع، وتكبح الفساد، وتواجه التقصير وانعدام الكفاءة. في الديموقراطيات، يمكن عزل القادة السيئين ومحاسبتهم، وهو ما لا يتوافر غالباً في الأنظمة الاستبدادية التي تربط مصير الدولة بمزاج فرد واحد.

مع ذلك، لا يدّعي فوكوياما وجود علاقة سببية بسيطة بين الديموقراطية والنمو الاقتصادي، فالتجربة التاريخية تُظهر أن الديموقراطية قد تتحول، في ظروف معيّنة، إلى عبء على التنمية، كما حدث في باكستان خلال عهدي ذو الفقار علي بوتو، "ونواز شريف"، هنا تتعقد الصورة، وتسقط التعميمات السهلة.

القضية، في نظر الكاتب، لا تتعلق بسؤال ما إذا كانت الديموقراطية تعوق النمو أو تحفزه، بل بالعوامل الثقافية والاجتماعية السائدة في كل مجتمع. ماذا لو نُقلت مؤسسات التخطيط الاقتصادي على النمط الياباني أو الكوري الجنوبي إلى دول تعاني هشاشة ثقافية، وهيمنة الخرافة، وضعف التعليم، وقيماً اجتماعية متخلفة، مثل تهميش المرأة أو سيطرة الانقسامات العرقية والطائفية؟

من الوهم الاعتقاد بإمكانية استنساخ «وصفة ناجحة» من تجربة متقدمة وتطبيقها آلياً في بيئة لا تتوافر فيها الشروط الاجتماعية والثقافية الحاضنة لها.

 في مثل هذه المجتمعات، لا تؤتي الديموقراطية ثمارها المرجوة، لا في التنمية الاقتصادية ولا في ترسيخ حقوق الإنسان. كما أن الاستبداد، من جهته، لا ينتج تنمية حقيقية قائمة على العمل الإنساني والمؤسسي، بل غالباً ما يعتمد على المصادفات، أو على ريع الثروات الطبيعية.

منذ بدايات الاستقلال في عالمنا العربي، لم تُتح لهذه الدول فرصة تذوق الديموقراطية كاملة، كما أن الاستبداد السياسي لم يحقق النمو الاقتصادي المأمول. عرفنا، بتعبير سعدالدين إبراهيم، «لحظات ليبرالية» عابرة، سرعان ما انقضت وتلاشت، تاركة فراغاً سياسياً واقتصادياً لم يُملأ بعد.

لا توجد، في النهاية، إجابة حاسمة عن سؤال: أيّهما أصلح، النظام الديموقراطي أم الاستبدادي؟ فالإجابة ليست في شكل النظام وحده، بل في وعي المجتمع وثقافته وقدرته على إنتاج مؤسسات حقيقية، ومساءلة السلطة، وتحويل السياسة من صراع على الغنائم إلى أداة لخدمة الإنسان.

أمّا ما الذي يلوح في الأفق؟... فلا ندري!

back to top