اختطاف الرئيس الفنزويلي... انتهاك للقانون الدولي أم حرب ضد المخدرات؟
في صباح يوم 3 يناير الجاري، نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية مفاجئة غير شرعية في كاراكاس، أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة تهم الإرهاب المرتبط بالمخدرات. وقد وصفت واشنطن العملية بأنها إجراء «قانوني دقيق، «بينما وصفها مادورو في محاكمته الأولى بأنها خطف وسجن حرب، مع الاحتجاج على انتهاك سيادة فنزويلا. ويعتمد القانون الأميركي على مبدأ أن الاعتقال غير القانوني لا يمنع المحاكمة، حيث أكدت المحكمة العليا أن الخطف لا يبطل الإجراءات، ومع ذلك، يتجاهل هذا المبدأ تأثيره على السيادة الدولية.
ليست المشكلة في شخص نيكولاس مادورو أو توصيفه السياسي أو حجم الاتهامات، بل في الفعل نفسه: خطف رئيس دولة من عاصمته بقوة عسكرية أجنبية ونقله للمحاكمة خارج إقليمه دون تفويض دولي، خارج الأطر التي بناها النظام الدولي.
لذلك أثار الاعتقال صدمة عالمية، رغم اعتبار مادورو ديكتاتوراً متهماً بإفقار البلاد وقمع المعارضة وتورط في تجارة المخدرات، كما أثبتت تقارير دولية، إلا أن ذلك لا يبرر الانتهاك الواضح للقانون الدولي، لتجنب فتح باب سابقة خطيرة تحول العلاقات الدولية إلى قانون الغابة، حيث يسيطر القوي على الضعيف متجاهلاً المبادئ الثقافية والأخلاقية التي شكلت الحضارة الإنسانية.
ما وقع في فنزويلا ليس حدثاً أمنياً معزولاً أو تطوراً درامياً في صراع سياسي، إنما شرخ خطير في الشرعية الدولية، قد يمتد إلى كل دولة ضعيفة أو نظام هش أو قيادة تتعارض مع ميزان القوة العالمي. قد يرى البعض أن الاعتراض على خطف رئيس متهم بالإرهاب أو المخدرات دفاعاً عن ديكتاتور، لكن هذا مغالطة شائعة. مثل الأسهل اختزال القضية في شخص، بينما الأخطر مواجهة انهيار القاعدة.
الانتهاك القانوني: قوانين دولية تحظر الاختطاف والتدخل
يشكل الاعتقال انتهاكاً مباشراً لقوانين دولية تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. لا يبرر مكافحة انتهاكات حقوق الإنسان التدخل العسكري الفردي، إذ لم يكن هناك دفاع ذاتي أو تفويض من مجلس الأمن، الجهة الوحيدة المسؤولة عن تفعيل الفصل السابع لمواجهة تهديدات السلام العالمي. وتوفر اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961 حصانة كاملة للرؤساء كممثلين لدولهم، تحميهم من الاعتقال في دول أخرى دون موافقة دولتهم.
سوابق تاريخية: دروس من الماضي
تحذر من التكرار
ليس الحدث جديداً، بل يعيد سوابق أثارت إدانات دولية. ففي 1960، خطفت إسرائيل أدولف أيخمان من الأرجنتين، مما أدى إلى إدانة من مجلس الأمن لانتهاك السيادة الأرجنتينية رغم الإدانة الأخلاقية لأيخمان. كذلك، غزت الولايات المتحدة بنما في 1989 لاعتقال مانويل نورييغا بتهم مخدرات، وأدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الغزو كانتهاك قانوني أدى إلى فوضى وخسائر بشرية.
الدروس المستفادة والتحذير من منطق الغاب
الدرس الرئيسي هو أن تجاهل القانون الدولي يؤدي إلى فوضى تجعل كل دولة عرضة للتدخل. وإذا سمح بذلك، فكيف نمنع روسيا من خطف رئيس أوكرانيا أو الصين من الاستيلاء على زعيم تايواني بحجة حماية أمنها أو الإرهاب؟ ومنطق الغابة يجعل الدول النامية في أميركا اللاتينية وإفريقيا فريسة للقوى الكبرى، وهذا يهدد السلام العالمي، ويفتح صندوق البلطجة العالمي لإدارة الصراعات، كما قال الرئيس الصربي فوشيتش إن العالم يحكمه قانون القوة لا القواعد الدولية.
السيادة درع للدولة وليست جائزة سلوك
لم يُبنَ القانون الدولي لمكافأة الأنظمة الجيدة وعقاب السيئة، بل لمنع الانزلاق إلى قانون الغابة. ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، وهذا الحظر عمود النظام الدولي. الاستثناءات محدودة: دفاع شرعي أو تفويض من مجلس الأمن، وغير ذلك عدوان مهما تغيرت التسميات مثل إنفاذ قانون أو مكافحة إرهاب أو حماية مصالح أو أمن دولة. عملية عسكرية داخل عاصمة دولة سيادية لاعتقال رئيسها تعني قانونياً استخدام قوة لا يمكن تجميلها بخطاب أخلاقي أو أمني، وهنا تبدأ المشكلة.
غالباً ما تُكره كلمة «حصانة» لارتباطها بالإفلات من العقاب، لكنها في القانون الدولي تحمي الوظيفة السيادية لا الأشخاص. فقد أكدت محكمة العدل الدولية أن كبار المسؤولين يتمتعون بحصانة إجرائية أثناء المنصب، حتى مع اتهامات خطيرة، لتجنب تعطيل عمل الدولة وفتح باب الفوضى. هذه الحصانة مؤقتة وتؤجل المسؤولية، لا تسقطها، وتقيدها بآليات دولية، وتجاوزها لا يسرع العدالة بل ينسف إطارها.
ماذا نفعل مع رئيس متهم يرفض الاعتقال؟
هذا سؤال مشروع، لكن الجواب لا يكون بتجاوز القانون بل بتفعيله بحكمة: أولاً، تدويل المساءلة عبر المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة خاصة أو آلية أممية، رغم بطئها إلا أنها شرعية. ثانياً، ضغط مركز لا عقاب جماعي بعقوبات ذكية تستهدف الأفراد والشبكات والأموال، أكثر فاعلية وأقل كلفة. ثالثاً، استثمار اللحظة السياسية حيث يسقط الحصانات عادة بالسفر أو تغيير داخلي أو تسويات انتقالية. رابعاً، عدالة انتقالية لا قطع رأسي، إذ إسقاط السلطة بالقوة دون إطار انتقالي يفكك الدولة، بينما المسارات المراقبة دولياً توفر محاسبة تدريجية وتمنع الانهيار.
وخلاصة القول...
يميل الإعلام إلى عناوين سهلة مثل «سقوط ديكتاتور» أو «ضربة للمخدرات»، لكنها قصيرة الذاكرة. الأخطر تطبيع الفعل وتبريره لا الاحتفاء بنتيجته، إذ قد يواجه الإعلام سابقة تستخدم ضد دولة أو قيادة يراها شرعية. تسأل الصحافة الجادة عن القاعدة التي تُرسخ لا عمن نحب أو نكره.
الدفاع عن القانون الدولي ليس دفاعاً عن مادورو بل عن العالم من شريعة القوة. العدالة بالخطف تهين نفسها وتفتح باباً لا يُغلق. إذا قبل خطف رئيس «سيئ» اليوم فسيُخطف «مزعج» غداً و«غير منسجم» بعد غد. يطلب القانون الدولي حماية القواعد لا محبة المتهمين، فحين تسقط القواعد يبقى الأقوى فقط، وسيُسأل عن القوة لا الاتهامات، وهذا آخر كلام في ميزان التاريخ.
لقد قصفت إسرائيل إيران بذريعة مكافحة الإرهاب، ثم قصفت قطر بذريعة إيواء مفوضين إرهابيين، ثم بعد ذلك قصفت كل جيش سورية أثناء سقوط الأسد بذريعة حماية أمنها... فما أسهل مبررات القوي الغاشم!
* وزير الصحة الأسبق