جدة غير

نشر في 12-01-2026
آخر تحديث 11-01-2026 | 18:36
 د. حمد محمد علي ياسين

قُمت بزيارة مدينة جدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، لحضور مباريات كأس السوبر الإسباني باستاد الملك عبدالله. كُنت أظن أن الرحلة ستكون رياضية في المقام الأول، مباراة، وحماس، وجمهور، لكن ما اكتشفته منذ اللحظة الأولى جعل التجربة مختلفة تماماً... جدة فعلاً غير. 

منذ وصولي إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي، لفت انتباهي وجود الشباب السعوديين في الوظائف الإرشادية والتنظيمية. شباب وشابات في مقتبل العُمر يستقبلون المسافرين بابتسامةٍ صادقة، ويتعاملون باحترافية ولُطف مع كل سؤال أو مساعدة. لا توتر، لا تكلف، بل حضور واثق وكلمات طيبة تُشعرك بأنك من أهل البلد ولست ضيفاً. بعد ذلك توجهنا إلى الفندق، فكانت المفاجأة الثانية: قُرابة 90 في المئة من موظفي الاستقبال من السعوديين والسعوديات. الاحترافية ذاتها، واللباقة نفسها، وأسلوب تواصل يستحق، بلا مبالغة، عشر نجوم. 

هنا عادت بي الذاكرة إلى صيف 2023، خلال زيارة لمدينة زيرمات السويسرية. عند إنهاء إجراءات الدخول في فندق مونت سيرفين، تولَّى شاب في بداية العشرينيات المهمة بتمكُّن واحترافية وهدوء لافت. وخلال حديث عابر أخبرني بأنه متدرِّب في الفندق، في سنته الأولى بسويسرا، سعودي مبتعث يدرس الفندقة والضيافة، واسمه فيصل الرويتع. حينها أُعجبت بتجربته الفردية. 

واليوم في جدة، رأيت المشهد وقد تحوَّل من قِصة شخصٍ إلى واقعٍ متكامل. هذه المشاهدات تجعلك متيقناً أن النقلة النوعية التي تعيشها المملكة ليست وليدة لحظة، بل نتاج تخطيطٍ مدروس واستثمار حقيقي في رأس المال البشري. 

وجود الشباب السعوديين في هذه الوظائف ليس مجرَّد «توطين» بالمعنى الضيق، بل هو بناء لاقتصاد خدمات حديث، يخلق فرص عملٍ مستدامة، ويُبقي القيمة داخل السوق المحلي، ويرفع جودة التجربة السياحية. 

حين يكون مَنْ يستقبلك، ويرشدك، ويحل مشكلتك، ابن البلد وابنته، فإن العائد لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بالثقة والانتماء وصورة الوطن في عيون زواره. 

المملكة اليوم تعيش مرحلة تحوُّلٍ تجعلها، وستجعلها أكثر، إحدى الوجهات السياحية الرئيسية في المنطقة. ما يميزها حقاً ليس المباني ولا الفعاليات وحدها، بل «الحس السعودي»، الذي تلمسه في تفاصيل الزيارة: في التحية، في الاستعداد للمساعدة، وفي الفخر الهادئ بالعمل. 

غادرت جدة وأنا مُعجب بالتنظيم، نعم، لكن إعجابي الأكبر كان بتجربتي مع شباب وشابات سعوديين جعلوا الرحلة أكثر دفئاً، وأكثر معنى... بحق جدة غير. 

رسالة تحمل خالص الشكر والتقدير للعاملين في فندق شنغريلا جدة، من موظفي الاستقبال والضيافة إلى الإدارة، على حُسن الاستقبال وكرم الترحاب. وأخص بالذكر السيد وائل طراد على تعامله الراقي واحترافيته. وإن كانت لنا عودة إلى جدة، فستكون بكل تأكيد إلى الفندق نفسه.

back to top