الأغلبية الصامتة: البلاغ المشين
مَنْ يستطيع اليوم إنكار وجود العنصرية (الصريحة) داخل المجتمع؟ نحن نعلم أنها كانت موجودة ومتراكمة من قبل، فما الفرق بين عنصرية الأمس وعنصرية اليوم؟ هل سنقول عن الأولى إنها مؤدبة وتقذف الناس بالمناديل الورقية، والثانية تلقي عليهم بالأحجار والطوب؟ بالطبع لا، فالاثنتان عندي سواء، وتمثلان خطراً يُهدِّد وحدة وتماسُك مجتمعنا الصغير، والاختلاف يكمن في سرعة التدمير، وسرعة التعافي، ونوعية الضرر.
في الماضي القريب كانت العنصرية محصورة في دوائر ضيقة، المنزل، الديوانية، ملتقيات العضوية المحدودة، لذلك سُميت بالعنصرية «السلبية»، وعندما تُكسر قيودها وتفلت أحياناً لا تجر المجتمع بأسره معها كما يحصل اليوم بسبب تغريدة أو مقطع قصير.
في ذلك الزمن أيام الصُّحف الخمس، كان أكثر الكُتَّاب العنصريين يجتهدون ويستمطرون الكلمات المشفرة، لكي يمرروا ما أمكنهم من أطروحات عنصرية لا يفك رموزها سوى قِلة من الناس. واليوم وجد العنصريون في منصات التواصل الرقمية فرصتهم لتفريغ محتوياتهم السوداء، ولتسقط معها أقنعة الاتزان والأكاديمية والثقافة والورع، وغيرها من الأقنعة.
بطيئة لكن ثابتة: عنصرية الأمس، وكما ذكرت، ليست بأفضل حال من عنصرية اليوم، فتأثيرها يعمل بخُبث وهدوء كقوة تآكلية بطيئة، لكنها ثابتة، تضعف أركان المجتمع واحداً تلو الآخر، مثل الثقة الاجتماعية، التي تمثل العمود الفقري لأي مجتمع. فعندما يشعر أفراد من مجموعة معينة بأن نظام العدالة قد لا يُنصفهم ولا يُقدِّم لهم فرصاً متكافئة، فإن ثقتهم في المؤسسات تتراجع، وتنشأ هويات منفصلة ومتصادمة منكفئة على نفسها، تهدِّد استقرار المجتمع وقت الأزمات.
تشعبات وتبعات: ما سبق، رغم تعاسته، كان يتم بين مواطنين ومواطنين، واليوم صعدنا إلى مرحلةٍ جديدة مليئة بالتشعبات والتبعات، تتم بين مواطنين حاليين ومواطنين سابقين، بين مواطنين حاليين (متحمِّسين) يُريدون تصفية مواطنين (حاليين) آخرين تم نسيانهم، أو تم تأجيل قرارهم، بين مواطنين سابقين يُريدون أخذ مواطنين (حاليين) معهم تحت شعار «الظلم في السوية عدل في الرعية»... إلخ.
تلك التشعبات والتبعات وصلت إلى أحاديث الأطفال، وشغلتهم عن هَمِّهم الأكبر، وهو اللعب، وهدمت بعض مشاريع الزواج المستقبلية.
لقد أخرجت عنصرية اليوم أسوأ ما في بعض البشر من صفات، ويكفينا وصول الأمر إلى درجة الإبلاغ عن «كلام» قِيل وانتهى في مجالس خاصة بالعمل والديوانيات والـ «واتساب». تلك والله لهي أقبح حالةٍ وصلنا لها، ولا أعلم كم من الوقت نحتاج للتعافي منها.
في الختام، إن التماسُك الاجتماعي ليس رفاهية، بل هو ضرورة وجودية لأي مجتمعٍ يرغب في البقاء والازدهار، وهو لا يُبنى بتجاهل الاختلافات أو قمعها، بل بالاعتراف بوجودها، والاحتفاء بها، وضمان أن يعيش كل فرد، بغض النظر عن عِرقه أو خلفيته، بكرامةٍ ومساواة حقيقية. فقط عندها يمكن للنسيج الاجتماعي أن يُصبح أقوى من أي محاولةٍ لتفتيته.