خاص

القطاع الصناعي... أزمات متراكمة وحلول مؤجلة

• أشادوا بسحب القسيمة من غير الجاد وطالبوا بدعم الصناعي الحقيقي
• صناعيون يسلطون الضوء عبر «الجريدة» على أزمة المضاربة بالقسائم الصناعية وارتفاع الإيجارات

نشر في 12-01-2026
آخر تحديث 11-01-2026 | 21:48
سلّط وزراء سابقون ومتخصصون صناعيون الضوء على الواقع الراهن للقطاع الصناعي الكويتي، معتبرين أنه يعيش مرحلة حرجة للنهوض به وجعله رافداً مهماً للاقتصاد، وهو ما يتطلب دعماً وعملية إعادة تقييم شاملة للمنظومة الاقتصادية والقسائم الممنوحة.
وأوضح هؤلاء الصناعيون، في حوارات متفرقة مع «الجريدة»، أهمية دعم الصناعة ومنح الأراضي، منتقدين غياب التخطيط الذي حوّل المناطق الصناعية الحرفية إلى مناطق تجارية ومحلات، مما أدى إلى ندرة الأراضي المتاحة للمصانع الحقيقية وارتفاع تكاليف التأسيس على المبادرين والشباب الراغبين في تأسيس مشاريع صناعية جديدة.
وطالب البعض بضرورة فصل الصناعة عن التجارة في حقيبة وزارية مستقلة، تمنح هذا الملف الحيوي كامل التركيز بعيداً عن أعباء الروتين، وإعطاء القطاع مزيداً من الاهتمام، مشيرين إلى الفرص الضائعة في الصناعات التحويلية، حيث تكتفي الدولة بتصدير النفط الخام، في حين تملك القدرة على تحويله محلياً إلى منتجات نهائية تضاعف قيمته السوقية خمس مرات، وقد تصل إلى عشرة أضعاف كذلك.
وأكدوا أهمية تحقيق الأمن الغذائي والدوائي، وأن الاكتفاء الذاتي لن يتحقق إلا بقرار يدعم الصناعي الجاد ويحرر الأراضي من قبضة المضاربين وتجار العقار الصناعي، مبينين أن القطاع الصناعي الكويتي يواجه استحقاقات مهمة، وأن على المسؤولين أن يتطرقوا إلى ملف الصناعة المحلية.
وأجمعوا على أن النهوض بهذا القطاع لم يعد خياراً، بل يمثل ركيزة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي والدوائي والمائي، منادين بضرورة الاهتمام بتوزيع الأراضي ودعم المستحق، إلى جانب توطين الصناعات المعتمدة على التكنولوجيا.
وأوضحوا أن المنظومة السليمة لا تكتمل إلا بلقاء صاحب الفكرة مع الممول وصاحب الأرض، مشيرين إلى أن الاعتماد الحالي على استيراد المواد الأولية يحوّل العملية إلى منتج وطني كويتي مُجمَّع، وليس صناعة حقيقية.
وعلى صعيد التحديات التي يواجهها القطاع الصناعي، خصوصاً فيما يتعلق بشح الأراضي، أشاروا إلى أن أزمة الأراضي الصناعية لا تكمن في ندرة المساحات الجغرافية وتوزيعاتها، بقدر ما تكمن في غياب التخطيط السليم وسوء التوزيع، إلى جانب ذلك يجب الإسراع بمنح القسائم وتوزيعها عبر الأراضي الجديدة المعطلة منذ سنوات.
وانتقد عدد منهم تحوّل المناطق الصناعية إلى محلات ومشاريع تجارية، لافتين إلى أن هناك فجوة كبيرة في استغلال الصناعات التحويلية، حيث لا يزال النفط يُصدَّر كمادة خام، ثم يُستورد في صورة مواد أولية بلاستيكية وكيميائية بأسعار مضاعفة، مؤكدين أن الاستثمار في هذا الجانب كفيل بمضاعفة قيمة البرميل الواحد لعدة أضعاف.
وشدد الصناعيون على ضرورة حماية المبادرين من الإيجارات المرتفعة الناتجة عن تداول القسائم بالباطن، وتأجيرها بأسعار مبالغ فيها، داعين إلى تشريع قوانين تمنع المضاربة بالأراضي الصناعية وتضمن وصولها للجادين فقط، وفيما يلي التفاصيل:

أكد وزير التجارة والصناعة الأسبق فهد مطلق الشريعان أنه يجب أن تكون للقطاع الصناعي وزارة مستقلة تسمى «وزارة الصناعة» إذا أردنا النهوض بهذا القطاع، لا أن تكون منضوية مع التجارة في وزارة واحدة، مبيناً أن الصناعة في كثير من دول العالم لها وزير خاص، لأنها مختلفة تماماً عن التجارة، فوزارة التجارة تنظم أموراً داخلية وتراخيص، أما الصناعة فتتعلق بـ «خلق شيء ما».
 



وقال الشريعان إن الكويت ليس فيها سوى «هيئة الصناعة»، وهي تضم زملاء وقيادات محترمة، لكنها تحتاج استقلالية عالية، معتبراً أنه من الظلم أن تكون الصناعة تحت مظلة التجارة، فهناك فرق كبير بين أن نصنع في الكويت أو نكتفي بالتجميع، إذ إن كلمة صناعة تعني أن المواد الأولية وكل شيء من الألف إلى الياء موجود في أرض الصناعة، فإذا استوردت المواد الأولية وقمت بتعديلها فقط، فهذا منتج جُمِع في الكويت، وليس صُنع فيها. 

وبينما أعرب عن فخره واعتزازه بعبارة «صنع في الكويت»، مشدداً على ضرورة توفر المواد الأولية محلياً لنسميها صناعة حقيقية، اعتبر أن المقارنة بين الكويت وشقيقاتها الخليجيات في ميدان الصناعة غير ممكنة بسبب اختلاف المعطيات تماماً. 

وأضاف أن الصناعة تحتاج إلى أنظمة، وأراض، ومخازن للمنتجات، وهي أمور مفقودة تنظيمياً في الكويت، فضلاً عن وجود فقر في التراخيص، كما أن لدينا ضعفاً في منح الأراضي لإقامة المصانع، إلى جانب أن البدء بمصنع يحتاج إلى تكلفة عالية جداً.

وذكر أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة اليوم لا تجد فرصة للحصول على أرض، وهي تدفع مبالغ كبيرة حتى تدخل في المناطق المنظمة، أما فيما يتعلق بالمناطق الجديدة «فأرى أن هناك تأخيراً في تسليمها، لكننا بحاجة لتشريعات تمنح الفرص للشباب دون الحاجة لرأسمال ضخم، وتسهيل القروض الميسرة».

ورأى ضرورة أن يكون هناك ترابط بين البنك الصناعي وهيئة الصناعة والمحفظة الصناعية لدعم المصانع، مبيناً «أننا لا نحتاج لابتكار شيء جديد، فالتجارب موجودة في دول كثيرة».



وذكر أن المشكلة تكمن في وجود من أخذ أراضي ولم يفعل بها شيئاً، بينما الشخص المستحق وصاحب الفكرة الناجحة لا يجد أرضاً، كما أن التشريعات قاصرة وتوزيع الأراضي يتم بشكل غير مناسب للوضع الحالي، مبيناً أن هناك من يستحق الأرض ورغم ذلك لم يحصل عليها.

وأكد أن المنظومة الصناعية السليمة تكتمل بلقاء صاحب الفكرة مع الممول مع صاحب الأرض.

وبسؤاله عن شح الأراضي في توزيع «الشدادية» و«النعايم» وعما إذا كان ذلك يشكل عقبة رئيسية، أكد الشريعان أن شح الاراضي يشكل عقبة فإذا لم تتوفر الأرض لن تستطيع بناء المصانع، وإضافة إلى ذلك يجب أن تكون المنظومة متكاملة من ممول، ومادة أولية، ومخازن، وسلاسل توريد وتصدير، فإذا لم تتوفر فلن يكون هناك قطاع صناعي سليم.

وتطرق للحديث عن أكبر المشاكل، إذ «إننا نصدر النفط الخام ونستورده محولاً حيث تستورده الشركات والمصانع الكويتية في صورة مواد أولية تحتاجها المصانع وهي موجودة لدينا، تخرج للخارج وتصنع هناك ثم تعود إلينا»، مشيراً إلى أنه «من الممكن أن تكون لدينا صناعات تحويلية كبيرة جداً». 

وضرب مثلاً بأكياس البلاستيك في الجمعيات، «فنحن نستهلك أطناناً منها يومياً، والمادة الأولية تستورد من الخارج لصناعتها هنا، ثم ترمى، ولا يوجد لدينا نظام إعادة تدوير».

وفيما يتعلق بإطارات إرحية، ذكر أنها كانت قضية رأي عام، بينما في العالم يتم دمج الإطارات في الصناعة التحويلية، من استخراج الفولاذ إلى استخدام المطاط في الأسفلت أو ملاعب الأطفال، مبيناً «أننا ضعفاء جداً في البصمة الكربونية وإعادة التدوير، سواء في الإطارات، والبطاريات، والأجهزة الإلكترونية، أو حتى الطابعات»، مضيفاً انه «تنقصنا التشريعات التي تخدم هذه الصناعات التحويلية وتسهل إعادة تصديرها».

الشريعان: الصناعات التحويلية عالية القيمة... ويجب أن تستغل 

وأكد الشريعان أن الصناعات التحويلية تعد من الصناعات العالية إضافة الى الثروة الحيوانية التي لم نستغلها الى جانب الجلود وغيرها من المنتجات الاخرى المشتقة من تلك الثروة التي لها قيم صناعية عالية، مبيناً أن الصناعات التحويلية من الممكن ان نقيم بها عدة مصانع وتخلق فرصا وظيفية لكن للأسف هناك تأخر في التشريعات وتوفير الفرص والاراضي وتوفير المخازن والمواد الأولية. 

ورأى أن تقوم الدولة بدعم عال للاستثمار في هذا القطاع حيث يعد طويل الأمد للمشاريع ذات الافكار الجيدة، مؤكدا أن التمويل المدروس من الممكن ان يشكل إضافة لتطوين الصناعات من الخروج للخارج.

وأكد أنه لدينا مواد كثيرة جداً إلا أنها لم تستغل الاستغلال الأمثل، لافتاً إلى الحاجة لثلاث درجات من الأمان في الصناعة، هي الأمن الغذائي وأمن المياه والدواء، «وهو ما استشعرناه في الأزمات الماضية ومنها أزمة كوفيد، وهي من الأمور التي يجب ان نوفرها ونستطيع ذلك فجميعها مرتبطة بالقطاع الصناعي».

وأكد الشريعان أن موضوع الصناعة مهم جداً فهو قطاع استراتيجي ويجب ترجمة الاهتمام به بشكل جدي على أرض الواقع.
 



النقي: تحديات متراكمة

من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للمعادن الخفيفة محمد النقي إن القطاع الصناعي في دولة الكويت يمر اليوم بمرحلة دقيقة تتطلب وقفة جادة وإعادة تقييم شاملة، فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الصناعة الكويتية تعاني من تحديات متراكمة منذ سنوات، أبرزها غياب الصناعات الجديدة واعتماد القطاع على صناعات قديمة أُنشئت في فترات سابقة دون تطوير حقيقي يواكب المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية. 

وقال النقي إن هذا الواقع انعكس سلباً على الحالة العامة للصناعيين، حيث يسود شعور بالإحباط نتيجة ضعف الاهتمام وقلة الدعم الملموس مقارنة بأهمية هذا القطاع الحيوي.

وحول واقع الصناعة في دولة الكويت أوضح أن أبرز الإشكاليات التي تواجه الصناعة في الكويت هو التحول غير المنظم للمناطق الصناعية إلى مناطق تجارية، فمناطق مثل الشويخ والري، التي أُنشئت أساساً لتكون حاضنة للصناعات، تحولت مع مرور الوقت إلى معارض وأسواق تجارية نتيجة غياب التخطيط المتوازن بين الحاجة إلى المناطق التجارية والحفاظ على الهوية الصناعية. 

وذكر أن هذا الخلل أدى إلى ازدحام مروري واختلاط في الأنشطة، وأفقد هذه المناطق دورها الصناعي الحقيقي، مما يستدعي إعادة تصنيفها رسمياً كمناطق تجارية، وإنشاء مناطق صناعية جديدة ومتكاملة في مواقع أخرى.

وعن شح الاراضي في الكويت أكد أن الدولة لا تعاني من شح الأراضي، إذ إن نسبة كبيرة من مساحتها ما زالت غير مستغلة، وأراضيها تتميز بسهولة التهيئة وانخفاض تكاليف التطوير مقارنة بدول أخرى، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التخطيط السليم، بحيث يتم إنشاء مناطق صناعية حديثة تتوافر فيها البنية التحتية المتكاملة، وتشمل مواقع مخصصة للصناعة، وسكنا للعمالة، وخدمات لوجستية داعمة، بما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي الحقيقي.

ضرورة تسريع إنشاء مناطق صناعية جديدة مجهزة بالكامل

وقال النقي إنه لا يمكن الحديث عن الصناعة بمعزل عن البعد البيئي، فملف المخلفات الصناعية والبيئية يعد من أكثر الملفات أهمية، سواء كانت صلبة أو سائلة أو غازية، شارحاً أنه للأسف لا يزال التعامل مع هذا الملف في الكويت دون المستوى المطلوب، رغم ما يمثله من فرص اقتصادية كبيرة.

وأضاف أنه في الدول المتقدمة، تعتبر صناعات إعادة التدوير ومعالجة المخلفات مصدراً مهماً للطاقة والدخل، بينما نحن لا نزال نعاني جراء تراكم المخلفات وحرائق الإطارات وغيرها من المشكلات البيئية والمطلوب إنشاء مناطق متخصصة لمعالجة المخلفات، مع فصلها حسب النوع، والاستفادة منها اقتصادياً، بما يخدم البيئة والاقتصاد في آن معاً.

وأوضح أن التجربة الكويتية في الصناعة ليست جديدة، بل كانت الكويت رائدة منذ نشأتها، حيث وجدت فيها صناعات تقليدية تلبي احتياجات المجتمع، مثل صناعة السفن، والحدادة، والنجارة، والنسيج، وصناعة البشوت، ومع بداية النهضة في الخمسينيات والستينيات، اهتمت الدولة بالصناعة الحديثة، وأنشأت مناطق صناعية وقدمت تسهيلات وقروضاً للصناعيين، ما أسهم في قيام صناعات وطنية مهمة مثل الأسمنت والطابوق والبطاريات وغيرها، وأكبر دليل على ذلك أن العملة الكويتية في تلك الفترة حملت صوراً تعكس اعتزاز الدولة بقطاعها الصناعي.

المنظومة السليمة تكتمل بلقاء صاحب الفكرة مع الممول وصاحب الأرض

وذكر أن الزخم والتطور الاقتصادي لم يواكبهما التوسع في إنشاء المناطق التجارية، مما أدى إلى الضغط على المناطق الصناعية وتحويلها تدريجياً عن دورها الأساسي. 

وأوضح في المقابل، أن دولاً خليجية شقيقة استطاعت أن تستفيد من التجربة الكويتية، وتطورت صناعاتها بشكل لافت، حتى تجاوزتنا في كثير من المجالات، رغم أننا كنا السباقين في بعضها، مثل صناعة الألمنيوم.

وبين النقي أن دعم الصناعة لا يعني فقط توفير القسائم الصناعية، بل يتطلب رؤية متكاملة تشمل اختيار الصناعات الاستراتيجية، ودعم المنتج المحلي، لافتاً إلى أن التركيز على الصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي والدوائي أصبح ضرورة وطنية، خصوصاً وسط الأزمات العالمية وتقلب سلاسل الإمداد.

وأشار إلى أن الكويت يجب ألا تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد في الغذاء والدواء، بينما تمتلك الإمكانات المالية والأراضي والقدرات البشرية لتطوير صناعات تحقق قدراً من الاكتفاء الذاتي، كما أن الزرراعة لا تقل أهمية عن الصناعة، إذ تمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن الغذائي، في حين أن دعم المنتج الزراعي المحلي وحمايته من الإغراق السعري ضرورة استراتيجية.

وأشار إلى أن الحكومة الحالية تقوم بخطوات إيجابية لتنظيم القطاع الصناعي، من خلال سن قوانين جديدة وتشديد الرقابة، وسحب القسائم من غير الجادين، وهذه جهود تشكر عليها، لكنها تحتاج إلى استكمال عبر تسريع إنشاء مناطق صناعية جديدة مجهزة بالكامل وتكليف أصحاب الخبرة من الصناعيين والكفاءة بإدارة هذا الملف بعيداً عن المجاملات أو الاختيارات غير المتخصصة.

 

النوري: متفائل بالأحسن

بدوره أعرب الناشط في القطاع الصناعي أحمد النوري عن تفاؤله بوضع الصناعة في الكويت قائلاً «بيصير أحسن» في المستقبل القريب.

واستند النوري في ذلك على «النشاط الملحوظ الذي أراه وتوجيهات القيادة، لاسيما مع الأمل الكبير بأن يصبح الوضع أفضل، وأن يتم تقدير المنتج أو الجاد في الصناعة في الكويت، وألا ينتهي الأمر بمحاسبة البعض بسبب سوء استخدام الرخص أو الأراضي الصناعية». 

وذكر النوري أن هناك حالياً وعياً بأهمية الصناعة، وتحركات ملموسة وروحاً جديدة في الجهات المسؤولة عن الصناعة ومنها الهيئة العامة للصناعة.

وتحدث عن مسألة منح الأراضي الصناعية والإجراءات قائلاً إنها في السابق كانت تتطلب دراسات جدوى ورقية طويلة، أما الآن التقديم للفكرة الصناعية أصبح «أونلاين» والموافقة المبدئية تظهر خلال يومين أو ثلاثة، وهذا شيء جيد.

وأضاف أن ما «يحزّ في الخاطر» هو أن البعض يقدم دراسات صورية للحصول على أرض لهدف تجاري ويصنفون عهلى أنهم تجار أراضٍ، وهذا يؤثر على الصناعيين الجادين، مبيناً أن الصناعة ليست كالعقار، فالعقار «تشتري عمارة وتؤجرها وترتاح»، لكن الصناعة هي القطاع الذي يضيف قيمة حقيقية لاقتصاد البلد.    



وبسؤاله إذا سنشهد تنمية للاقتصاد في حال تم منح الأراضي للجادين والمشاريع الصغيرة، أشار إلى أن أصحاب المشاريع الصغيرة لديهم حماس رهيب، لكن الإجراءات المعقدة جعلت البعض يتراجع، طارحاً الحل بالتفرقة بين الصناعي الجاد وبين تاجر الأراضي. 

واقترح إعطاء الصناعي مهلة مثل 18 شهراً لإثبات جديته على أرض الواقع، إضافة إلى تطبيق نظام الضمان البنكي لضمان تنفيذ الفكرة. 

وقال النوري إنه إذا عمل الجادون، فالصناعة في الكويت ستزدهر لأن لدينا عقليات مبدعة وصناعاتنا وصلت إلى مصر والسودان وغيرها.

وتطرق إلى الحديث عن الفرص الاقتصادية التي يخلقها القطاع الصناعي موضحاً أنها فرص كثيرة، أولها تقليل هدر الأموال للخارج، فبدلاً من استيراد المنتج النهائي، نستورد المواد الأولية إذا لم تتوفر ونصنعها محلياً، وهذا يحافظ على تدوير الأموال داخل السوق الكويتي، وثانياً الصناعات التصديرية لدينا عقول قادرة على التصدير للخارج مما يوفر مورداً مالياً رديفاً للنفط لاسيما أننا بلد نفطي، والصناعات التحويلية النفطية لها آفاق واسعة، فبدلاً من تصدير النفط خام نصدره كمنتجات مصنعة تضاعف قيمته.

وعن أبرز الصناعات التي يمكن من خلالها استغلال برميل النفط لزيادة قيمته قال النوري: هناك الصناعات التحويلية مثل البولي بروبلين، ومنتجات البلاستيك، ورولات التغليف، والأكياس، والمواد الغذائية، والغاز، والوقود، والثلج الكربوني. 

وأشار إلى أنه «بحسب تقديري، فإن الاستفادة من الصناعات التحويلية تجعل برميل النفط الذي سعره حوالي 63 دولاراً حالياً يجلب على الأقل خمسة أضعاف قيمته الأصلية».

وتابع أن الروتين يعد من المعوقات التي يواجهها القطاع الصناعي، بل هو العائق الأكبر، وبعض الموظفين في الجهات المسؤولة قد لا يملكون الاطلاع الكافي على أهمية الصناعة. 

وأضاف إلى ذلك غير الجادين الذين يزاحمون الصناعيين الحقيقيين إضافة إلى ندرة الأراضي الصناعية، فالصناعة تحتاج إلى مساحات للتخزين والمعدات والمنتجات النهائية، والأراضي الحالية ضيقة جداً.

 

النقي: تكليف أصحاب الخبرة والكفاءة بإدارة هذا الملف 

ولم يغفل النوري عن الحلول لتعزيز القطاع الصناعي، معتبراً أهمها:  إشراك الصناعي الجاد في صنع القرار، «وليس شرطاً تنفيذ كل ما نقوله، ولكن اسمعوا منا من باب الشورى، فمتخذ القرار عندما يسمع لمشاكل الصناعيين على أرض الواقع ستسير الأمور بسهولة».

وعن دور الصناعة في توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وغيرها أفاد بأن الصناعة توفر كل شيء استهلاكياً واقتصادياً، في حين أننا دولة نفطية ونحتاج إلى تعزيز الصناعة النفطية والتحويلية وأيضاً الصناعات الدوائية بدلاً من استنزاف الأموال في الاستيراد، نصنع ونصدر، كذلك الصناعة الغذائية في الدول التي تملك أراضي زراعية، الصناعة توفر الأمن الغذائي للدولة من خلال الاكتفاء الذاتي.

وأشار إلى أنه «لدينا العقول والقدرة على التميز في الصناعة التصديرية، لكننا نحتاج إلى قرار يدعم هذه العقول.

وعن المطلوب من الحكومة لدعم المنتج المحلي رأى النوري أن المطلوب ليس فقط دعم المنتج بل دعم القرار الصناعي وتشجيع صناعة المنتج المحلي، خصوصاً أن منتجاتنا قادرة على المنافسة عالمياً بدليل أن الكويتيين نجحوا في أسواق خارجية، فالأهم هو فهم أهمية الصناعة للدولة ككل.

القطان: اختلالات هيكلية

من جانبه، تحدث رئيس الجمعية الكويتية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة محمد القطان عن المشروعات الصغيرة في القطاع الصناعي، مشيراً إلى أنه قطاع حيوي يضم آلاف الشباب الكويتيين الطامحين في الدخول إلى القطاع الخاص، وتحديداً القطاع الصناعي الذي يعتبر ركيزة أساسية لتنويع مصادر الدخل الوطني.

وقام القطان بتشخيص معوقات القطاع الصناعي الصغير والمتوسط حيث ركّز على أن البيئة الصناعية الحالية في الكويت تعاني اختلالات هيكلية تمنع المبادرين من الاستقرار والنمو، وأبرز هذه المعوقات: 

أولاً- أزمة القيمة الإيجارية الخانقة، فالمشكلة لا تكمن في عدم وجود أراضٍ فحسب، بل في احتكار الأراضي وتداولها بالباطن، فالمبادر لا يستطيع الحصول على قسيمة مباشرة من أملاك الدولة بسعر مدعوم، مما يضطره للجوء إلى مستثمرين حصلوا على قسائم من الهيئة العامة للصناعة بأسعار رمزية ثم أعادوا تأجيرها للمبادرين بأسعار مضاعفة تصل أحياناً إلى 10 أضعاف السعر الأصلي، وهذه التكلفة العالية تدخل مباشرة في تكلفة المنتج النهائي وتجعل المنافسة صعبة جداً.

ثانياً - سوء استغلال الأراضي الصناعية، فقد تحول بعض القسائم الصناعية إلى أغراض غير مخصصة لها، مثل استخدامها سكناً للعمال، أو مخازن عشوائية، أو ساحات للسكراب والمعدات المهملة، هذا الواقع أدى إلى ندرة الأراضي المتاحة للمصانع والمشاريع الحرفية الحقيقية، مما تسبب في عزوف الشباب عن خوض العمل بهذا القطاع.



ثالثاً - غياب الرقابة والشفافية في التوزيع، حيث أشاد القطان بالتوجه الحالي لوزير التجارة والصناعة في تشديد الرقابة وسحب القسائم المخالفة، مؤكداً أن هذا الإجراء هو ما كان يطالب به المبادرون منذ سنوات لتنقية السوق من تجار الأراضي وتمكين الصناعيين الجادين.

وعن الحلول المقترحة وخارطة الطريق للإصلاح قدم القطان رؤية متكاملة تتألف من عدة نقاط جوهرية لإعادة إحياء القطاع الصناعي للمشروعات الصغيرة وهي محاربة التضمين في سيطرة العمالة التي تدير القطاعات الحرفية والصناعية بشكل مستتر، وضمان أن تعود أرباح هذه الأنشطة إلى الدولة والمبادر الكويتي، لافتاً إلى أهمية فرض عقوبات تصاعدية وسحب فوري، وطالب أن يكون سحب القسيمة هو الإجراء الفوري لأي شخص يغير نشاط الأرض، وذلك لمنع استغلال أملاك الدولة كسلعة تجارية.

وأكد ضرورة منع المضاربات في القسائم الصناعية، مقترحاً فرض تشريع يمنع بيع القسيمة الصناعية لمدة لا تقل عن 3 إلى 5 سنوات من تاريخ تسلمها، ومنع المؤسسات المالية غير الصناعية من تملك هذه الأراضي، لمنع ارتفاع الأسعار الاصطناعي كما حدث في العقار السكني.

وعن تحديث تنظيم الأنشطة، دعا إلى ضرورة إعادة دراسة الأنشطة الصناعية لتواكب أسلوب الحياة الحديث، مثل السماح بإنشاء أندية صحية وخدمات لوجستية داخل المناطق الصناعية وكذلك السكنية لتوفير بيئة عمل متكاملة وجاذبة للمواطنين.

 

back to top