لعنة الثروة
يُنسب إلى وزير النفط الفنزويلي خوان بابلو ألفونسو، الذي كان مع نظيره السعودي عبدالله الطريقي من العقول المؤسسة لفكرة إنشاء منظمة أوبك في مطلع ستينيات القرن الماضي، أنه من أوائل المفكرين السياسيين الذين تنبهوا مبكراً إلى ما عُرف لاحقاً بـ «لعنة الثروة».
نُقل عن ألفونسو قوله (نقلاً عن ويكيبيديا): «بعد عشر سنوات... بعد عشرين سنة... النفط سيجلب لنا الخراب. النفط هو فضلات الشيطان».
لم تكن تلك العبارة مجرد نبوءة سوداوية، بل خلاصة رؤية عميقة لطبيعة التحولات التي تُحدثها الثروة الطبيعية الهائلة في بنية الدولة والمجتمع. فقد أدرك ألفونسو أن التدفق المفاجئ للثروة الناتجة عن الموارد الطبيعية لا يغير مستوى الدخل فحسب، بل يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع من جذورها.
ربما في نظره، سيعتاد الناس سريعاً الاتكال الكامل على هذه الثروة، ثروة تُدار من قبل سلطة أصبحت فجأة غنية وقادرة على توفير ما كانت تعجز عنه في السابق. تنتقل الدولة من الفقر والبؤس إلى الرفاه والثراء، غير أن هذه القفزة السريعة تحمل في طياتها ثمناً باهظاً. وكما يقول المثل: «الغنم بالغرم».
ما يكسبه المجتمع من خيرات النفط يخسره في المقابل في قيم العمل المنتج. يتراجع الحافز على الإنتاج، ويحل محله الاعتماد شبه الكامل على سخاء الدولة في العطاء، سواء وُجد عمل يقابله أم لا. ومع هذا التحول، تبدأ الحريات العامة والخاصة بالتآكل، فالسلطة التي لم تعد بحاجة إلى ضرائب الناس، لا تعود بحاجة إلى رضاهم. عجلة الدولة تمضي، بوجود العمل أو غيابه، من دون أن يشكل ذلك فارقاً حقيقياً في سيرها.
أما «الخراب» الأعمق فيتجسد في تضخم المحسوبيات. فمع وفرة المال وسهولة توزيعه، تتكاثر شبكات الفساد، ويتضخم الجهاز البيروقراطي بأعداد هائلة من الموظفين الذين يُلحقون بالوظيفة العامة لا لحاجة حقيقية، بل بوصفها أداة لتوزيع الأرزاق وشراء الولاءات. تُهدر الموارد والكفاءات، وتتحول مؤسسات الدولة إلى دوائر لتقاسم المناصب بين الأقارب والمعارف، بعيداً عن أي اعتبار للكفاءة أو الإنتاجية.
تلك هي الحالة النموذجية لـ «دولة الريع»، الدولة التي تقوم على توزيع الثروة لا على خلقها. ذلك هو «الخراب» الذي لعله كان يدور في ذهن ألفونسو آنذاك. ولم يكن يتخيل، على الأرجح، أن بلاده ستصل يوماً إلى مرحلة يُسكب فيها الملح على الجراح، حين تتحول ثروتها النفطية نفسها إلى مدخل لاختطاف الدولة بكاملها، تحت مظلة عقيدة مونرو.