بين الهندسة والحياة

نشر في 11-01-2026
آخر تحديث 10-01-2026 | 19:05
 دانة شفاقة العنزي

في أولى محاضرات مادة مقاومة المواد في الهندسة المدنية، تعلّمت أن لكل مادة سعة تحمّل (Load Capacity – Strength (سواء كانت شدّاً أو ضغطاً) وحدّاً مرناً (Elastic Limit). المادة تظل قوية حتى تتعرض لقوة تتجاوز قدرتها، عندها تبدأ بفقدان جزء من سعتها. وإذا استمر الضغط، دخلت مرحلة الخضوع (Yield Point)، حيث تبدأ ملامح فقدان الشكل والقوة، ويبدأ الضعف بالتسلل من الداخل حتى يظهر على السطح. 

بعد ذلك تصل إلى القوة القصوى (Ultimate Strength)، ثم يحدث الفشل (Failure). وحتى لو أزلنا الحمل بعد ذلك، تبقى آثار التشوّه موجودة... والمادة لا تعود كما كانت إلا إذا قُوِّيت بالترميم والمعالجة. 

وكنا أيضاً نتعلّم أن المشاعر طاقة، لكن لا يمكن حسابها ولا قياسها... ليس لها رقم ولا اتجاه. ومع ذلك، تأثيرها في حياتنا قد يكون أقوى من أي قوة فيزيائية. مرت السنوات واكتشفت أن الإنسان يشبه المواد، يبدأ متماسكاً أمام الضغوط اليومية، يحاول الابتسام وإخفاء ما يثقل كاهله من أعباء العمل والحياة، ومع تراكم الضغوط، تبدأ طاقته النفسية في التآكل. إذا تجاوز الضغط حدّه المرن (Elastic Limit)، دخل الإنسان في حالة إرهاق نفسي (Burnout) — كسل، وخمول، وفقدان للحافز والطاقة، لكنه لم ينهَر تماماً بعد. وإذا استمر الضغط دون علاج وصل إلى الانهيار النفسي أو العصبي، وهي نقطة الفشل الكامل (Failure Point). وحتى إن خفّ الضغط فجأة فإن الأثر يبقى حاضراً، فليس كافياً أن نزيل الضغوط ونقول: «خلاص... سيصبح أقوى». العودة للقوة تحتاج إلى راحة، وبيئة متفهمة، وعلاج، ودعم. 

في الهندسة نسميه فشل المادة (Material Failure)، وفي الحياة نسميه انهياراً نفسياً. الدرس الأهم: لا تنتظر حتى تصل إلى مرحلة الإرهاق النفسي... اختر بيئتك كما تختار المادة في التصميم... بحذر ووعي، وزّع أحمالك، واطلب المساعدة، وامنح نفسك نقاهة قبل أن تتأثر قدرتك على الاستمرار. بين الهندسة والحياة: احمِ نفسك من الضغوط التي تغيّرك... لا تتهاون مع البيئة التي تستنزفك، فالضغط المستمر يغيّر شكل المواد وسماتها... ويغيّر شخصيات البشر... تذكر أن الضغط الزائد يترك أثراً يمكن ألا يمحى... سواء على الحديد أو على النفس.

back to top