«ضاري المير»... والمثقف الكويتي
لم يعد للمثقف الكويتي وجود بعد أن غرق في أزمة، يقول الكاتب ضاري المير عنها إنها كما يرى «تكشف هشاشة العلاقة بين الوعي والواقع، بين الأيديولوجيا والمصلحة، وبين الشجاعة والخوف». اليوم، يكمل المير حديثه في الجريدة، 2025/11/17، «تحول كثير من المثقفين إلى متفرجين في مسرح الواقع، يكتفون بالتعليق من بعيد ويتقنون لغة التحليل البارد، بينما الشارع يغلي والأسئلة تتكاثر بلا إجابة». لقد نجحت الحكومة في وضع المثقف الكويتي «المروض»، الذي يعرف حدود المسموح والممنوع، ويتقن الرقص في المساحة الرمادية بين السلطة والجمهور.
المثقف الكويتي غير أمين فكرياً مع نفسه والجمهور، لأنه «مثقف يكتب عن الحرية بشرط ألا تمس مقالاته أحداً، وينادي بالديموقراطية بشرط ألا تخرج من النص إلى الفعل».
المثقف الكويتي لا يقيم في برج عاجي بعيداً عن الناس، يقول المير، ليس انعزالاً عن الناس فحسب، بل هو موقف غير واضح المعالم، لأن هذا الكاتب يعيش في الواقع «رفاهية الفكر داخل مقالات لا تغضب أحداً، وندوات مغلقة تكرر الكلام ذاته عن الإصلاح والنهضة دون أن تلامس عمق الأزمة».
لقد حاول مثقفو مختلف الأمم الاستفادة من الأنساق الفكرية والأيديولوجيات للتحرر الفكري، أو أداة لدحض الآراء المخالفة والأفكار البينة البطلان. أما لدى المثقف الكويتي، يكمل الكاتب في مقاله، فقد «تصالحت الليبرالية مع السلطة واكتفت بمقاعد الندوات، والإسلام السياسي انغلق على ذاته وأرهق الدين بالشعارات، واليسار انهزم أمام موجة البراغماتية، والوطن تاه بين الخوف من الإقصاء والرغبة في البقاء. كل تيار انتقى مثقفه الخاص لا المثقف الحر، وصار الولاء أهم من الفكرة، والاصطفاف أهم من المبدأ، وصار المثقف، الذي يفترض أن يكون ضمير الأمة، جزءاً من آلة التبرير والتجميل».
ويقول مختتماً: «الكويت لا تحتاج لمزيد من التنظير، بل لمثقف يجرؤ على قول ما يجب أن يقال مهما كانت الكلفة، فالتاريخ لا يذكر أولئك الذين كتبوا بحذر، بل الذين واجهوا بصدق دون أن ينتظروا تصفيقاً أو مكافأة»!
ما يتحدث عنه الكاتب الفاضل في الكويت وعن المثقف الكويتي تحدثت عنه ولاتزال كتب عن أحوال المثقف في العالم العربي عموماً، كما عقدت ندوات ومنتديات كانت إحداها في الأردن بعمان سنة 1988، وأصدرت أوراقها في كتاب بعنوان «الانتلجنسيا العربية: المثقفون والسلطة»، تحرير د. سعد الدين إبراهيم، 592 صفحة.
لو كان الكاتب قد أورد نماذج من المقالات أو ما يدعم تحليله حول المثقف أو الكاتب الكويتي لكان مقاله من أهم المقالات في هذا المجال، ولكن هذا مشروع رسالة ماجستير أو دكتوراه لمن يحب الخوض في هذا المجال!
وما من دولة كتركيا أو إيران أو ربما الكرد والأرمن وغيرهم، إلا وثمة جدل وأخذ ورد حول مواقف مثقفيهم وكتابهم، بل ودراسات وبحوث حول نظرة مثقفيهم إزاء الداخل والخارج، والنقد الذاتي والموقف من الغرب وغير ذلك.
لنلق نظرة على ما يسميه بعض الباحثين في العالم العربي «أزمة المثقفين العرب» في المقال القادم!