كنوز البصيرة (8): ما تصنعه لغيرك... تصنعه لنفسك

نشر في 09-01-2026
آخر تحديث 08-01-2026 | 18:06
 حسين عبدالله يبدأ مقام العطاء بكلمة جامعة قالها رسول الله ﷺ: اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى.
فالنبِي ﷺ يعلّمنا أن جوهر العطاء ليس في مقدار ما تُقدّم، بل أن يخرج عطاؤك من كرامة النفس وصفاء النية.
فمن أعطى وهو موصول بالله ارتفع عنده، ولو لم يعرف الناس فضله.
وقال ابن الجوزي باختصار بليغ: إن التعفّف هو أن تستر الحاجة عن الخلق، وإظهار الغنى بالله وحده، وإن الصبر من أعظم أبواب العطاء. أن تُمسك نفسك عمّا تهواه الآن، فيلزمها ما ينفعها لاحقاً، كي لا تجني عليها عواقب الهوى.
ثم يأتي علي بن أبي طالب ليكشف الوجه الأعمق لهذا المعنى فيقول: إنَّ مَكْرُمَةً صَنَعْتَهَا إلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إنَّمَا أَكْرَمْتَ بِهَا نَفْسَكَ وَزَيَّنْتَ بِهَا عِرْضَكَ، فَلَا تَطْلُبْ مِنَ غَيْرِكَ شُكْرَ مَا صَنَعْتَ إلَى نَفْسِكَ. 
هذه الكلمات تُعيد تعريف العطاء من جذوره، فالخير الذي تُقدّمه للناس يعود إليك أولاً، لأنك أنت الذي تسمو به عند الله سبحانه.
فأنت حين تُحسن، هذّبت نفسك من الأنانية، وزيّنتها بالمروءة.
وما ظننته كرماً للناس، كان في الحقيقة ارتقاءً لذاتك، فالعطاء المقيد بالتوقعات... صفقة... والعطاء الخالص... ارتقاء.
فلا تُفسد جمال المعروف حين تربطه بالنتائج، دع العطاء يكون سراً بينك وبين الله سبحانه.
لتتجاوز مرحلة الترقّب إلى عظمة النيّة، وسموّ الكرم، وأيقن أن الخير محفوظٌ عند الله.
لا تُقلّل من قيمة عطائك ترقباً للشكر، ولا تُفسد جماله بانتظار التقدير.
فما صنعته لغيرك، إنما صنعته لنفسك.
back to top