الحياة إدارة
كثيراً ما نسمع أو نقرأ جملة مقتضبة هي «علمتني الحياة»، والواقع أنها جملة غير صحيحة أو غير دقيقة أو مرسلة على عواهنها، فالحياة لا تعلم أحداً بأن تعطيه دروساً، وإنما تعلمه بأن تترك علامة وأثراً حزيناً في ذاكرته، ولذلك فإن مقولة «كل طراق بتعلومة» غير دقيقة أيضاً، وإنما تكون دقيقة لو قلنا «كل تعلومة بطراق»، لأن تجارب الإنسان لا تتكرر فيستفيد من تجربته الأولى في التعامل مع التجربة التالية، لأن الحياة محطات وكل محطة متوافقة مع أحداثها وزمنها، وما يحدث لن يعاد لأن زمنه يكون قد فات، ولذا تبقى التجربة مجرد ذكرى أو غصة يرويها صاحبها لإخوانه وأولاده وأحبابه لعلهم يستفيدون منها إن مروا بتجارب مشابهة، لكن غالبيتهم سيمرون بنفس التجربة ويرتكبون نفس الخطأ ويروون نفس الدروس لأجيالهم لعلهم يستفيدون من تجربة لم يستفد الراوي نفسه منها، ومن هنا فإن الصواب كل تعلومة بطراق، لأن الحياة لا تعلمك بالمجان، ولذلك يطربني بيت علي بن حمري: «افضحتني دمعة من فوق خدّي – دافعٍ من ليلة الفرقا ثمنها»، ولو استفاد من الثمن الذي دفعه من تلك اللحظة لما أعاد التجربة وفضحته الدمعة من جديد.
وهكذا فإن التجارب نوعان، واحدة يدفع سلفك ثمنها وتستفيد أنت منها، وواحدة تدفع أنت ثمنها ويستفيد منها الذي يخلفك، وأذكر أنني في صغري كنت في مجلس جاري، وكان منهمكاً في تعليم ابنه الأكبر دون أن يعيرنا نحن الصغار الجالسين بالاً، وكان ختام ما قاله لابنه «يا ولدي اللي ما يحب أبوك ما يحبك»، وكانت هذه التجربة أو هذا الدرس من الدروس التي استفدت منها في حياتي، والذي من المؤكد أن جاري دفع ثمنه سابقاً، فقد تأملت بكل الذين لا يحبون والدي فوجدتهم لا يحبونني بالوراثة، وتأملت بكل الذين يحبونه فوجدتهم يحبونني بالوراثة، دون أن أضر أولئك أو أنفع هؤلاء، ودون أن أتعب نفسي بعد ذلك في تجربة المجرب الذي جربه جاري واكتفيت بتجربته.
وأذكر قبل سنوات أيضاً أنني كنت أتحدث مع صديق بالهاتف، ومررت أمام أمغرة، فرأيت النيران تشتعل في مخازن السكراب فاستلهمت من الموقف حكمة تدعم حديثي مع صديقي، إذ أخبرته بالحريق المندلع ومحاولات رجال الإطفاء إخماده، ثم قلت له إن من تسبب في هذا الحريق الهائل ربما عامل جاهل وبخطأ ساذج في لحظات، ومن يحاول إطفاءه رجال مهرة ذوو خبرة سيحتاجون إلى ساعات أو أيام، وهكذا المشاكل يشعلها «غشيم بسهولة ويطفئها خبير بجهد جهيد»، وبعد سنوات التقيت بالصديق فدار بيننا حديث وفي أثنائه استدرك قائلاً: «أتذكر حكمتك التي قلتها لي عن حريق أمغرة، وما زلت أستلهمها كلما وافق مقامها مقالاً».
ولعل أفضل طريقة للتعامل مع مشاكل الحياة أن تديرها بطريقة علمية بحتة، بحيث تتعامل معها كمؤسسة أنت مديرها التنفيذي، فتكون لديك خطة تنفيذية مرتبطة بمراحل زمنية وخطة تجزيئية، وتكون لديك مراحل إنجاز (milestones) تتوقف عندها لتقييم إنجازاتك والفترة التي استغرقتها للتصحيح أو لتجاوز التأخير أو لاستلهام عزيمة المواصلة، فالحياة في النهاية إدارة والناجحون الذين يعيشونها بطريقة إدارية ناجحة، لا الذين يروون تجاربهم التي «أكلوا طراقات» من أجلها، ويلومون الآخرين على عدم الاستفادة منها، فمن لا يستفيد من دروس من سبقوه قد لا يستفيد اللاحقون من تجاربه.