صبرٌ خلف الزجاج!

نشر في 09-01-2026
آخر تحديث 08-01-2026 | 18:01
العمَّال البسطاء جزء من مدينة نعيش فيها ولا نراها، جرفتهم أمواج الغربة بحثاً عن حالٍ أفضل لأهلهم وأولادهم، يستحقون منَّا الكثير، صمتهم ينطق بما لا نشعر، وصبرهم لا يُقاس.
 محمد راشد قبل أيام أثناء طريقي إلى العمل - وكانت الساعة الثالثة عصراً تقريباً - كان بجواري «باص» ينقل عمَّال بلدية الكويت بثيابهم الصفراء المعروفة. عِشت معهم دقائق سريعة جداً، مرَّت كأنها شريط لحياتنا اليومية، وتذمُّرنا من كل ما حولنا، وهي حالة قد تصل إلى أن تكون ظاهرة مجتمعية.
«الباص» توقف بجانبي في أكثر من إشارة مرور، عدد العمَّال بداخله يتجاوز الثلاثين. كان لافتاً أن النوم سيطر على معظمهم، في حين توسَّد آخرون نافذة «الباص» بعينين مفتوحتين، وذهنٍ شارد، ربما إلى أولادهم، أو بلادهم، أو ظروف الغربة الصعبة التي لا تُحتمل. المُحصلة أن المشهد كان دعوةً للتفكُّر فيما نعيش.
نظرات بعضهم الحزينة تختصر ثقل المسؤوليات، والغربة، وما يمرُّ في ذهن الإنسان عندما يكون بعيداً عن أهله، أو يعيش قهراً ومشقة شديدة، نتيجة إرهاقٍ جسدي نفسي وذهني في آنٍ واحد!
علامات التعب والإرهاق طبعت على وجوه العمَّال تجاعيد رحلة الغربة، التي لا نعرف معناها، تلخص شهوراً وربما سنوات من البُعد عن الوطن والأهل، وهذا بلا شك شعور لا يمكن تصوُّره مهما بلغت الأحلام ما بلغت!
العمَّال البسطاء جزء من مدينة نعيش فيها ولا نراها، جرفتهم أمواج الغربة بحثاً عن حالٍ أفضل لأهلهم وأولادهم، يستحقون منَّا الكثير. صمتهم ينطق بما لا نشعر، وصبرهم لا يُقاس، فيما نسارع بالتذمُّر والشكوى تجاه كل شاردةٍ وواردة، وهي مقارنة تستحق الوقوف والتأمل طويلاً، خصوصاً في تعاطينا مع ما نعيشه من ضغوطٍ يومية في محيط الأسرة والعمل والشارع، فكم مرة اشتكينا من تعبٍ عابر، فيما هناك مَنْ يعيش التعب نمط حياة، وكم نحتاج كي نتعلَّم من صمتهم الصبر، ومن تعبهم معنى الامتنان؟!
back to top