ما بعد فنزويلا... بين العقاب والفرص
تعد فنزويلا نموذجاً صارخاً لكيفية تحوّل الموارد الطبيعية من عنصر سيادي إلى أداة صراع دولي، فملف ملاحقة واحتجاز القيادة الفنزويلية، وفي مقدمتها الرئيس، لا يمكن قراءته في إطاره القانوني أو السياسي الضيق، بل ضمن سياق أوسع من إعادة ضبط موازين القوة في سوق الطاقة العالمي، حيث تتقاطع المصالح الأميركية مع صعود الصين وتراجع قدرة العقوبات التقليدية على تحقيق أهدافها.
الهدف الرئيسي من هذه العملية يتمثل في كبح خروج فنزويلا من المنظومة الغربية اقتصادياً، وإضعاف قدرتها على توظيف النفط كورقة تفاوض سيادي. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى فنزويلا فقط بوصفها دولة ذات نظام سياسي مناوئ، بل كحالة رمزية لدول تحاول بيع مواردها خارج القنوات التي يهيمن عليها الغرب، وبشروط لا تمر عبر الدولار أو المؤسسات المالية التقليدية.
وتبرز هنا العلاقة النفطية بين فنزويلا والصين، حيث تُباع كميات كبيرة من الخام الفنزويلي بخصومات سعرية نتيجة العقوبات، بعيداً عن أسواق أوبك التقليدية. ورغم أن هذا التسعير لا يشكّل تهديداً مباشراً لمنظمة أوبك من حيث التحكم في الأسعار، فإنه يشكّل سابقة استراتيجية مقلقة لواشنطن، لأنه يفتح الباب أمام نظام طاقة موازٍ لا يخضع للضبط الأميركي.
فنزويلا ليست حالة منفردة، إذ تشترك معها دول مثل إيران وروسيا في ظروف متشابهة تشمل العقوبات الاقتصادية، والقيود المصرفية، والتوجه المتزايد نحو الشرق، وقد طوّرت هذه الدول آليات للالتفاف على العقوبات، سواء عبر أساطيل شحن بديلة أو تسويات بعملات محلية، ما جعل الضغط الأميركي أقل فاعلية وأكثر كلفة سياسياً واقتصادياً. الرسالة الأميركية من عملية الاحتجاز واضحة ومباشرة، لأن السيادة الاقتصادية دون غطاء سياسي دولي قد تتحول إلى عبء أمني، وهي رسالة لا تُوجَّه إلى فنزويلا وحدها، بل إلى كل دولة تفكر في إعادة تعريف دورها داخل سوق الطاقة العالمي خارج الإطار التقليدي.
أما بالنسبة لدول الشرق الأوسط، وخصوصاً دول الخليج العربي، فإن الحدث يحمل أبعاداً تتجاوز المشهد اللاتيني اقتصادياً، قد تستفيد دول الخليج على المدى القصير من تضييق الإمدادات الفنزويلية، سواء عبر تعزيز حصتها السوقية أو دعم أسعار النفط، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسواق المال الخليجية من حيث العوائد النفطية، والاستقرار المالي، وجاذبية الاستثمار. لكن أمنياً واستراتيجياً، فإن تسييس الطاقة بهذا الشكل يستدعي وقفة تقييم لا اندفاع، فالحروب الاقتصادية غالباً ما تخلق فرصاً، لكنها في الوقت ذاته ترفع مستوى المخاطر، وتزيد من تقلبات أسعار النفط والأسواق المالية. وأي تصعيد دولي مفاجئ قد ينعكس سريعاً على أسعار الأصول، وتدفقات رؤوس الأموال، وتكاليف التأمين والشحن.
إن ما يجري في فنزويلا يمثل فرصة مشروطة لدول الخليج وشعوبها، وفرصة لتعظيم المكاسب الاقتصادية في المدى القريب، لكنها أيضاً لحظة استراتيجية لإعادة حساب التوازنات، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وتنويع الشراكات الدولية، ففي عالم تتحول فيه الموارد إلى أدوات ضغط لا يكون الرابح من يملك النفط فقط، بل من يُحسن إدارة المخاطر قبل أن تتحول الفرص إلى تهديدات.