رياح وأوتاد: حرية الرأي بين فرنسا والكويت
كتبت «الجريدة» يوم الثلاثاء الماضي أن المحكمة في فرنسا عاقبت 10 أشخاص بتهمة التنمر الإلكتروني على زوجة الرئيس الفرنسي ماكرون، حيث دانتهم بالإدلاء بتعليقات مؤذية حول الميول الجنسية لزوجة الرئيس وفارق السن بينها وبين زوجها.
وهذا الخبر يؤكد ما ذهبت إليه دوماً في المجلس وفي الندوات والكتابات بأنه لا توجد حرية رأي مطلقة في أي بلد من بلاد العالم، بما فيها فرنسا التي يسمونها أم الحريات وعاصمة النور، وغيرها من النعوت الفارغة.
وقد حرص الدستور الكويتي على إثبات هذا المبدأ فنص في المادتين 36 و37 على أن حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون.
وقد بين القانون في المادتين 19 و20 أهم المحظورات التي تخالف حرية النشر، وهي المساس بالذات الإلهية والأنبياء والصحابة والتعرض لشخص صاحب السمو أمير البلاد. وفي المادة 21 ذكر بعض المحظورات الأخرى مثل المساس بالحياة الخاصة أو بكرامة الأشخاص، والحض على كراهيتهم وإفشاء أسرارهم، ونسبة أقوال أو أفعال غير صحيحة لهم تنطوي على إساءة تضر بسمعتهم، وكلها من الأمور المحرمة شرعاً، ولذلك يمكننا القول إن الدستور والقانون الكويتيين وقد أخذا بأحكام الشريعة الإسلامية بهذا الشأن يكونان قد سبقا هذا الحكم الفرنسي.
ومن هذا المنطلق الشرعي مارسنا العمل في المجلس وخارجه، فقمنا بإبداء الرأي ونشره على ضوء الشريعة والمصلحة العامة في كثير من أهم الأمور التي مرت في البلاد منذ مجلس 1981، مثل رفض تنقيح الدستور، ومعارضة القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية، وانتقدنا بعض الأمور الاقتصادية والتعليمية التي رأينا أنها تخالف الأفضل لمستقبل البلاد، وطرحنا البدائل لها، ورفضنا الحفلات الراقصة، كذلك انتقدنا الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع الصهاينة المجرمين وشرحنا خطرها، وقمنا أيضاً بالتصويت ضد بعض مراسيم الضرورة التي صدرت أثناء حل مجلس الأمة، مثل المرسوم بقانون في شأن محاكمة الوزراء، وخصخصة بعض خدمات الدولة، وأيضاً رفضنا المرسوم بقانون بالسماح للنساء بالانتخاب والترشح الذي صدر أثناء فترة انتخابات سنة 1999، وكل ذلك كنا نمارسه بترحيب من الدولة ودون الوقوع في أي محظور من المحظورات الشرعية والقانونية، خصوصاً التعرض لشخص أمير البلاد.
ومن أجمل الندوات التي تعرضت لهذا الموضوع من الناحية الشرعية هي ندوة الشيخ صالح الشيخ وزير الأوقاف في الشقيقة السعودية، وهو عضو هيئة كبار العلماء، الذي بين كيف يكون إنكار المنكر المأذون به في أي بلد بقوله «هناك من ظن ألا يُنكر المنكر البتة وهذا باطل»، وقوله «فإن كان المنكر جارياً في ولاية الإمام أو الوالي فإنه يُنكر المنكر دون ذكر الواقع فيه أو الجهة التي تمارسه».
إذاً، فالإنكار الشرعي وإبداء الرأي في الأمور العامة والظاهرة إذا كان ضمن الأطر المشروعة ودون أي إساءة للنظام العام أو لكرامات الأشخاص أو إثارة الكراهية فإنه من الأمور التي يجب أن ترحب بها الحكومات.